كان من الممكن أن تشكل تربة خصبة حقيقية لخلق مناصب عمل ولتنشيط الأحياء. إلا أنّها بقيت مغلقة، دون أن يعرف أحد السبب.
إن أقل ما قد يقال عن أحياء « عدل » ـ خاصة تلك التابعة لبرنامج ما قبل 2003 ـ لمن يزورها أن الحياة فيها لا تسر الناظرين. جولة عبر أحياء « الموز » (المحمدية) وسبالة (العاشور) وأولاد فايت وعين النعجة، لإنجاز ربورتاج عن المحلات التجارية، لم تترك مجالا لأي شك. لم نجد أحياء بالمفهوم العصري للكلمة، وإنما مراقد

بمجرد دخولنا إلى هذه الأحياء، صدمنا بمشاهد الخراب السائد فيها: صناديق قمامة مفتوحة ومتهاوية، نفايات ملقاة على الأرض، روائح كريهة تعم المكان، جدران وسخة ومليئة بالكتابات، هوائيات مقعرة منتشرة مثل الطحالب، وباعة متجولون اجتاحوا كل الفضاءات، وأخيرا محلات تجارية… مغلقة إلا قليل منها وهي مستغلة جزئيا فقط. ولقد تعرض العديد منهم للتخريب قبل أن تمتلئ بالقمامة. قال لنا أحد سكان حي « الموز »: « عليكم أن تعودوا بعد حلول الظلام لتروا ما يحدث ». وأضاف: « يأتي الشباب لتعاطي المخدرات وغيرها من الأمور المخالفة للقانون والأخلاق ».
محدثنا الذي أصبح مرشدنا بهذه المناسبة، أخذنا في جولة عبر الحي. لنسمّه ياسين. « انظروا إلى حالة هذه المحلات التي كان من الممكن أن تحل تفك أزمة الكثير من الشباب وأرباب العائلات المتواضعة. » ويتابع: « انظروا إلى حالتها، بعضها لم يعد بها حتى ستائر. عادة في الليل نطرد المنحرفين الشباب لكن لا يمكننا قضاء وقتنا في المراقبة ». وتابع محدثنا بلهجة تبدو عليها الحسرة: « كتبنا إلى مديرية « عدل » في عدة مناسبات ، لكنهم تجاهلوا شكاوينا. والأسوأ من ذلك أنها تغض الطرف عن كل ما يحدث. ونحن نتساءل ما فائدة هؤلاء الحراس (أعوان « عدل ») المعينين في العمارة، إن لم يستطيعوا حتى القيام بعمل ساعي البريد؟ »
يسترسل ياسين في حديثه، ويهو يقول أنه يعبر عن مشاعر جميع السكان: « تكشف للجميع أن هذه الأحياء عملية احتيال كبيرة. ولهذا بيعت السكنات بأسعار مقبولة مقارنة بما هو متاح في السوق العقاري. يجعلوننا ندفع ثمنها بطريقة أخرى وغاليا جدًا. ولا أفهم لماذا ندفع أعباء مقابل خدمات منعدمة تماماً ».
والأخطر من ذلك أن بعض المحلات التجارية احتلتها عائلات وحوّلتها إلى مساكن دون خوف من أي متابعة. وهنا يبدو ياسين جازما في كلامه: « هناك تواطؤ مع أعوان عدل، هذا هو التفسير الوحيد أو أنها طريقة لشراء السلم الاجتماعي ». ويضيف متأسفا: « كنت من أوائل سكان الحي قبل سنوات. وهذه المحلات الموجودة أسفل عمارتنا بقيت غير مشغولة إلى اليوم. أحد جيراني الذي كان يرغب في شراء أحد المحلات لم يعرف إلى الآن ما هي الإجراءات المتبعة. ذهب إلى مكتب عدل لكنه لم يحصل منهم على شيء. وتنقل إلى غاية مقر المديرية، ولكنه مرة أخرى لم يستطع الحصول على أي معلومات موثوقة. انتهى به الأمر بالاستسلام، فيما لا يزال المحل الذي يريده مغلقاً إلى حد الساعة ».
نفس الأوضاع وجدناها في حي سبالة حيث أخبرنا عدد من السكان أنه: « أمام تراكم مشاكل انعدام الأمن والنظافة، نظمنا أنفسنا في لجنة وقررنا منع دخول المحلات. بقينا لفترة طويلة نلعب لعبة القط والفأر مع المنحرفين قبل أن نصل إلى هدفنا. أصبحت الحياة لا تطاق والخطر يداهمنا كل يوم. فلقد وقعت عدة اعتداءات وسجلنا حريقاً تمكننا من إخماده في بدايته وتجنبنا بذلك كارثة حقيقية ». ويواصل محدثنا وهو غاضب على ما آل إليه الحي: « لقد تحسن الوضع بشكل ملحوظ، لكننا لا نفهم سبب إغلاق وإهمال هذه المحلات، التي أصبحت مرتعاً لكل أنواع المشاكل ».
لكن في أولاد فايت يبدو الوضع خارج نطاق السيطرة. يتم تحويل المباني إلى مساكن عندما يتم تحويل المساحات المشتركة إلى مباني بينما تظل العديد من المباني الحقيقية مغلقة. بعضها يقع في الطابق الأرضي ، وهو في حالة يرثى لها.
لكن في أولاد فايت يبدو الوضع خارج السيطرة. هناك محلات تم تحويلها إلى مساكن في الوقت الذي يتم تحويل الفضاءات العامة إلى محلات، بينما تظل العديد من المحلات الحقيقية مغلقة. بعضها في حالة مزرية. والغريب أنها مسيجة بسياج من حديد. والبعض الآخر مغلق تمامًا. اقتربنا من شخصين مسنّين لنسمع شهادتيهما. نصحانا « بالانصراف بسرعة » وخاصة « عدم الكشف عن مهنتنا كصحفي حتى لا نعرض أنفسنا لمشاكل كبيرة ». وقبل أن يبتعدا بخطى سريعة كما لو أنهما لا يريدان أن يراهما أحد في صحبتنا، صرحا لنا: « ما يحدث هنا لا يقبله العقل. السلطات العمومية تغض الطرف والناس يستغلون الوضع. التحايلات كثيرة وتغني عن أي تعليق ». وبهذا غادرنا أولاد فايت في اتجاه عين النعجة.
وجدنا حيا تعيسا وأبعد من أن يكون نموذجاً يحتذى به، مع أنه يعتبر أولى مشاريع « عدل » منذ انطلاقتها. المحلات في غالبيتها تحتلها إدارات وشركات وخالية من أي أنشطة تجارية أو ترفيهية. فباستثناء محلين للمواد الغذائية العامة، وكشك صغير لبيع التبغ ومحل لبيع الخردوات، لا يوجد شيء، ولا حتى صيدلية. ويضطر السكان للذهاب بعيداً لشراء حاجياتهم. « أنا متقاعد ولدي كفاية من الوقت للتسوق. لكن لم تعد لدي القدرة على المشي كثيرا، أولادي هم من يقومون بالتسوق لأنني لا أملك سيارة. أقضي وقتي منعزلًا في هذه الشقة من ثلاثة غرف لأنه لا يوجد أي فضاء نستنشق فيه الهواء والتقي بجيراني لتناول القهوة أو لمجرد الدردشة. في هذا المكان نشعر بالملل ونموت ببطء ».
وهنا أيضًا، تتكرر ظاهرة المحلات المغلقة. فصممنا على الذهاب إلى مدينة سيدي عبد الله الجديدة التي تم تدشينها في ديسمبر 2016 وروّجت لها السلطات العمومية كنموذج عمراني لـ »المدينة الذكية ». وكم كانت خيبة أملنا كبيرة، لأننا لم نكتشفا سوى « حي مرقد » عملاق حيث المحلات التجارية، هنا أيضا، مغلقة.
عند المدخل، وجدنا أنفسنا أمام متاجر أشبه بأسواق الأرصفة تعرض سلعاً تفوق ما يمكن أن يحتويه المكان نفسه. وكلما تقدمنا إلى عمق الحي، نلاحظ محلات مغلقة يشبه مصيرها مصير بقية الأحياء. يقول أحد السكان ساخرا: « هذه المحلات بيعت بأسعار باهظة. والغريب أن هذه المحلات إما تباع بأسعار باهظة أو تهمل ». الوضع ليس أفضل في كثير في أحياء « عدل » الأخرى المنتشرة عبر أنحاء التراب الوطني.
هل يمكن أن نستنتج أن تهيئة المحلات التجارية على مستوى أحياء « عدل » فشل ذريع؟ الجواب « نعم » والحكم لا يقبل الطعن. وحتى إذا كان هناك نوع من الصحوة في الآونة الأخيرة من جانب « عدل » التي تحاول بيع المحلات، إلا أن ذلك يبقى غير كاف مقارنة بحجم المعضلة وبعدد المحلات الذي يقدّر بالآلاف.
المحلات المستغلة لا تتعدى نسبتها 05 بالمائة
تسير الأمور ببطء في مديرية التشغيل بولاية الجزائر، لكن بثبات. وفي حديث مع مدير التشغيل بالولاية، السيد براهيمي، صرح لنا أن اللجنة التي تم تشكيلها بعد القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في ماي 2019 « تعمل على قدم وساق لتجسيد سياسة كفيلة بتشجيع الشباب على المبادرة في إطار برامج الدعم مثل « أنساج و »كناك » و »أنجام

استقبلنا محدثنا في مكتبه الكائن في شارع خليفة بوخالفة، وفضل التطرق لعمل اللجنة التي يشرف على أمانتها والمكلفة بدراسة الملفات وتوزيع المحلات التي هي تحت تصرف « عدل » (المحلات غير مباعة في إطار البرنامج الجديد) وليس تلك المدرجة في البرنامج القديم الذي يشرف عليه الولاة المنتدبين ورؤساء البلديات منذ 2012. وفي هذا الصدد، أكد لنا مصدر أن « نسبة المحلات الممنوحة لا تتجاوز 5٪، في حين أن عددها بالآلاف »، واصفا هذه العملية بـ »الفشل الذريع »، هذا بالإضافة إلى أن « لا أحد يعرف مصير المحلات في الأحياء القديمة ».
يقول السيد الإبراهيمي إن « اللجنة الحالية تعالج الملف بجدية كبيرة منذ ماي 2019″، مدعما قوله بالأرقام التراكمية حتى 31 أوت 2020. بالنسبة لولاية الجزائر وحدها، 731 محل « عدل » و238 تابعة لديوان الترقية العقارية قد وضعت تحت تصرف اللجنة. ولقد تلقت اللجنة 525 طلب « أنساج » و149 « كناك » و316 طلبًا من « أنجام » ومؤسسة ناشئة واحدة. ولقد تمت معالجة 277 ملف « انساج » ورفض منها 27، وتم منح 250 محل. بالنسبة لـ »كناك »، تمت معالجة 87 ملف ورفض 29 ومنح 58 محل. وكانت المؤسسة الناشئة الوحيدة التي تقدمت بطلب تم قبولها، كما تمت معالجة 196 ملف « أنجام » ورفض منها 13 ومنح 176 محل.
تحتل النساء مكانة بارزة في هذه العملية التي تخص 969 محلا. من بين 478 امرأة تقدمت بطلبات، تم قبول 281. نسجل أيضًا ترشيح 13 معاقًا، استفاد 9 منهم من محلات (2 « أنساج » و 9 « انجام »). وهنا يوضح السيد براهمي أنه “تم إقرار إيجار بمعدل 150 دينار للمتر المربع بالنسبة لمحلات ديوان الترقية العقارية و200 دينار لمحلات « عدل »، لمدة عشر سنوات على الأقل. وعلى المدى البعيد، ستكون هناك إمكانية للمستفيد لاكتساب المحل المعني »، مشيرًا إلى أن « اللجنة الوزارية المشرفة على هذه العملية يترأسها الوالي ». وهي تضم مدير التشغيل بالولاية الذي يشرف على الأمانة وممثلي « أنساج » و »أنجام » و »كناك » و »عدل » وديوان الترقية العقارية ومديرية الإسكان والأملاك العمومية ».
لغز المحلات الشاغرة
آلاف من محلات « عدل » عبر أنحاء التراب الوطني بقيت غير مستغلة منذ عدة سنوات، لم تلق زبوناً أو أنها بقيت مغلقة، مع أنها بيعت منذ زمن بعيد دون أن يتمكن أحد، من المسؤولين أو غيرهم، من تبرير هذا الوضع. فأصبح من الصعب التطرق إلى الموضوع الذي يشقا الإنسان كثيراً ليجد من يقبل الحديث عنه.
مع أن المتدخلين في الملف تكاثروا، بدءًا بعدل التي سيّرت المحلات وتوزيعها حتى عام 2012. لتنتقل بعد ذلك هذه المهمة إلى الولايات (المنتدبة)، وكذلك إلى رؤساء البلديات في إطار برنامج دعم المقاولين والمستفيدين من مشاريع « أنساج » و »كناك » و »أنجام ».

عاد تسيير المحلات وتوزيعها إلى « عدل » مجدداً منذ عام 2013 في إطار ما يُعرف باسم « البرنامج الجديد »، أي « عدل 2″. لكن هذا لم يحل ظاهرة المحلات المغلقة التي استمرت منذ تسليم أولى الأحياء في عام 2004 إلى مدينتي سيدي عبد الله وبوعنان الجديدتين. هذه المحلات التي تقع أسفل العمارات أو في الطابق الأول، وقد تم تصميمها أصلا للوظائف الحرة. الكثير منها لم تجد مشترياً مع أنها تعود غلى أكثر من 15 سنة. في البداية، كانت تمنح عن طريق البيع بالمزاد المنشور في موقع عدل » والإعلانات في الصحف، لكن العملية لم تلق نجاحا كبيرا.عدد كبير منها لم تُبع، ولا أحد يعرف السبب.
البعض يفسّر الأمر بسوء اختيار مواقع معظم تلك المحلات، مما لا يضمن لها نجاح أنشطتها. فيما يرجعه آخرون إلى السعر المعلن عنه الذي اعتبر « باهظا » حتى بين عامي 2004 و2012. أما منذ 2013، فأصبح « مبالغا فيه »، كما وُصف. يضاف إلى ذلك غياب المعلومات والتعتيم المضروب على عملية التوزيع والتي عادة ما تصنف ضمن العراقيل الرئيسية. للعلم فقط، اليوم، يمكن أن يصل سعر المزاد إلى 111 ألف دينار للمتر المربع كسعر عرض. وهو السعر الموجود حاليا في مدينة بوعنان الجديدة (البليدة) على سبيل المثال. سعر يعتبره كثير من المشترين المحتملين « غير مبرر، وهذا ما يرفع ثمن المحل الواحد إلى نحو ملياري دينار. لا نفهم ما الذي يبرر مثل هذه الأسعار خاصة وأن المحلات لا تقع كلها في ممرات آهلة » ويستغربون من أن « جميع المحالات متساوية وتعرض بنفس السعر ».
في نهاية المطاف، ألغيت كل المناقصات، وبقيت مئات، بل آلاف، المحلات مهملة ولم تخدم لا سكان الحي ولا غيرهم وشكلّت خسارة للسلطات العمومية. والأسوأ من ذلك أنها تصبح مأى للمنحرفين وتحوّل أحيانًا إلى أماكن للدعارة والمخدرات. وهذا ما يزيد من انعدام الأمن في الأحياء عندما لا تكون مصدرًا للأوساخ. كثيرا ما اشتكى السكان كتابيًا من « تدهور الأحوال المعيشية في هذه الأماكن » التي يصفونها بـ « الأحياء المراقد » التي، وبالإضافة إلى ذلك، تفتقر إلى كل شروط الراحة الأساسية.
أمام تقاعس مصالح « عدل »، ذهب البعض إلى حد أخذ الأمور بأيديهم بسد مداخل المحلات للحد من هذا الوضع الكارثي، ولو أن ذلك لم يكن حلا فعالًا حقًا.
منذ ترة، استعادة « عدل » زمام المبادرة بالتسريع من عملية البيع، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج الجديد. ومع ذلك، يظل سعر المتر المربع ونقص المعلومات مطروحين بحدة وقد لا يساعد ذلك في تغيير الوضع
« مدير وكالة عدل » طارق بلعربي: « لا أريد محلات مغلقة بعد الآن
يقول المدير العام لوكالة « عدل » إنه لا يعرف عدد المحلات التي هي تحت تصرفه حاليًا ويقول إنه ليس مسئولاً عن البرنامج القديم

هناك طبعتان من المحلات، أولهما منبثقة من البرنامج القديم بين عامي 2001 و2012 والثانية تتعلق بالبرنامج الجديد الذي انطلق في 2013 وهو من مسؤولية « عدل ». ويوضح مدير عام الوكالة، طارق لعريبي، في حديثه معنا أنه « تم تخصيص البرنامج القديم للولاية ».
ولقد أكد لنا محدثنا الذي التقينا به في مكتبه أنه لا يعرف عدد المحلات التي بحوزته حاليًا، مفسرا ذلك بانعدام « إحصائيات دقيقة ». وأمام إصرارنا، كشف في النهاية أن هناك « آلاف اقترضت من البنوك من أجل إنجازها ».
تُعرض هذه المحلات في مزاد علني اكتسب زخمًا على ما يبدو في الآونة الأخيرة. يقول محدثنا: « لا أريد مغلقة من الآن وأعمل على بيعها بالشكل الذي يعطي حيوية للحي »، منفضا يديه فيما يتعلق بمحلات البرنامج القديم الذي كانت مع ذلك تسيّره « عدل » حتى عام 2012. ويصر مدير عامها بقوله: « أنا لست مسئولاً عن الالتزامات السابقة ».
وعندما سألناه عن سبب عدم نشر إعلانات ببيع المحلات على موقع « عدل » الإلكتروني، قال السيد بلعريبي أنها « منشورة على صفحة المديرية العامة للوكالة في فيسبوك بالإضافة إلى منشورات في عدد من الصحف ». وفيما يتعلق ببيع المحلات، أوضح السيد بلعريبي أن « الدفع يتم نقدًا » وأنه « لا يوجد سعر مرجعي للمتر المربع »، مؤكدا أن « كل مشروع له تكلفته لأنه ملف معدّ مسبقا ».
للإشارة أيضا إن « عدل » هي التي تختار النشاط لكل محل وتفرضه على المشتري. وفي هذا الصدد، يقول المدير العام: « يحدد النشاط في كل موقع على أساس توصيات من أخصائيين منهم مهندسون معماريون وخبراء في علم الاجتماع. و حتى إذا أراد المالك بيع العقار، فيجب على المشتري الجديد الاستمرار في نفس النشاط »، مضيفا: « لا أريد الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعت في الماضي »، في إشارة إلى البرنامج القديم. ويتابع: « الناس الذين يملكون أموالا كثيرة يأتون ويشترون المحلات ويتركونها مغلقة لسبب لا أعرفه. هذا الأمر سوف لن يتكرر. نريد إنشاء حيا سكنيا متكاملة فيه كثير من الأنشطة التي تلبي احتياجات السكان. وكالة عدل ليست هنا لتسويق منتوج يستغل للمضاربة. لا أريد أن تباع المحلات ويعاد بيعها وتنتقل من يد إلى يد عدة مرات ». ومن هذا المنطلق يُسمح للمشتري الجديد بفترة خمسة عشر يومًا للقيام بأعمال تهيئة صغيرة والشروع في نشاطه. ومن غير ذلك، فإن « عدل » ستتدخل وقد تضطر لاستعادة ممتلكاتها. ويشير المدير العام إلى أن « كل شيء منصوص عليه في دفتر الأعباء ».
دفتر الأعباء وقيوده
هو وثيقة من 200 صفحة حصلنا على نسخة منها. المتقدم لشراء عقار يدفع 5000 دينار للحصول عليه. الذي يحدث هو أن « عدل » تطالب باسترجاعه عند إيداع الملف الذي تطلب عدة نسخ منه. يُطلب من المتقدم للشراء دفع 10٪ من السعر المحدد وهو سعر العرض الذي يعادل سعر مرجعي يقارب 111ألف دينار. بمعنى آخر، إذا اختار أحد محلا تجاريا بمساحة 30 مترا مربعا بمعدل 116363.70 دينار للمتر المربع، فعليه أن يدفع 350 ألف دينار (10٪ من سعر البيع). يمكن لبعض المحلات الأكبر مساحة أن تصل إلى حوالي 2 مليار دينار. يُطلب من المتقدم دفع ثمن الشراء بالكامل في غضون فترة لا تتجاوز 20 يوما بعد صفقة البيع الناتجة عن المزاد العلني.
تباع المحلات عن طريق المزاد العلني لمن يدفع أعلى سعر وفقًا للقائمة (مجموعات) التي تقررها « عدل » عبر منشورات في عدد من الصحف (العمومية في الغالب) أو على صفحة المديرية العامة للوكالة في فيسبوك، مستثنيا بذلك الموقع الرسمي للوكالة الذي كان من المفروض أن ينشر هذه المعلومات كما كان يتم في الماضي. لكن العقبة الأكثر تداولا من قبل المتقدمين تكمن في كون أن « عدل » تفرض النشاط.
يقول أحد المتقدمين: « ليس من المنطقي أن تفرض عدل نشاطًا عليّ، إذا كنت راغبا في محل للقيام بالنشاط الذي يناسبني أو الذي أملك تسهيلاته فيه. الآن إذا كان غرض عدل هو تنويع الأنشطة، فهناك العديد من الطرق الأخرى. البقية يحددها السوق لأن النشاط الذي اختير لي قد يفشل. فما العمل حينئذ؟ »، مضيفًا أنهم « لا يفرضون فقط علينا سعرًا مرتفعًا للمتر المربع، بل تصل بهم الجرأة إلى أن يملوا علينا ما يجب فعله بالعقار المكتسب؟ سوف ترون. باستثناء المحلات الفخمة، لن تجد المحلات الأخرى أي مشتري بهذه الأسعار وهذا الكم من الشروط التعجيزية، بل وغير المنطقية ». وهناك أيضا من استغرب كون أن بعض المحلات المعروضة للبيع لم تحدد عليها عدد من الأنشطة. قال لنا أحدهم: « كنت راغبا في صيدلية، لكن هذا النوع من النشاط غير موجود في مجموعة من 200 محل معروضة لمدينة بوعنان الجديدة مقابل 5000 مسكن، على غرار عدة أنشطة أخرى مثل المخابز وغيرها ».
ويستطرد آخر بقوله: « يبدو أنه بالنسبة لهذا النوع من النشاط، يتم بيع المحلات بالتراضي دون التمكن من التحقق من ذلك لدى مصالح عدل. نحن نفتقر إلى المعلومات ولا نعرف حتى إلى أين نذهل ولمن نتوجه. كان حري على عدل أن تنشر كل شيء على موقعها وإقرار كل شيء في شفافية. ومن الواضح أن كل هذا التعتيم يساعد على التحايلات، مع أنهم يقولون أن كل شيء مدروس. وعليه، كيف يمكن للمرء أن يفهم أن محلا تبلغ مساحته 9.40 متر مربع (المحل رقم 5، الطابق الأرضي في العمارة « ج ») مخصص لنشاط بيع الأثاث؟ وأؤكد لكم أن هناك سخافات أخرى كثيرة كلبها من وحي دفتر الأعباء. وهذا ما يضع ما يعجز المتقديمن للشراء وتبقى المحلات مغلقة « .
أجرت التحقيق: نبيلة سعيدون
ترجمة: م. عاشوري
كان من الممكن أن تشكل تربة خصبة حقيقية لخلق مناصب عمل ولتنشيط الأحياء. إلا أنّها بقيت مغلقة، دون أن يعرف أحد السبب.
إن أقل ما قد يقال عن أحياء « عدل » ـ خاصة تلك التابعة لبرنامج ما قبل 2003 ـ لمن يزورها أن الحياة فيها لا تسر الناظرين. جولة عبر أحياء « الموز » (المحمدية) وسبالة (العاشور) وأولاد فايت وعين النعجة، لإنجاز ربورتاج عن المحلات التجارية، لم تترك مجالا لأي شك. لم نجد أحياء بالمفهوم العصري للكلمة، وإنما مراقد

بمجرد دخولنا إلى هذه الأحياء، صدمنا بمشاهد الخراب السائد فيها: صناديق قمامة مفتوحة ومتهاوية، نفايات ملقاة على الأرض، روائح كريهة تعم المكان، جدران وسخة ومليئة بالكتابات، هوائيات مقعرة منتشرة مثل الطحالب، وباعة متجولون اجتاحوا كل الفضاءات، وأخيرا محلات تجارية… مغلقة إلا قليل منها وهي مستغلة جزئيا فقط. ولقد تعرض العديد منهم للتخريب قبل أن تمتلئ بالقمامة. قال لنا أحد سكان حي « الموز »: « عليكم أن تعودوا بعد حلول الظلام لتروا ما يحدث ». وأضاف: « يأتي الشباب لتعاطي المخدرات وغيرها من الأمور المخالفة للقانون والأخلاق ».
محدثنا الذي أصبح مرشدنا بهذه المناسبة، أخذنا في جولة عبر الحي. لنسمّه ياسين. « انظروا إلى حالة هذه المحلات التي كان من الممكن أن تحل تفك أزمة الكثير من الشباب وأرباب العائلات المتواضعة. » ويتابع: « انظروا إلى حالتها، بعضها لم يعد بها حتى ستائر. عادة في الليل نطرد المنحرفين الشباب لكن لا يمكننا قضاء وقتنا في المراقبة ». وتابع محدثنا بلهجة تبدو عليها الحسرة: « كتبنا إلى مديرية « عدل » في عدة مناسبات ، لكنهم تجاهلوا شكاوينا. والأسوأ من ذلك أنها تغض الطرف عن كل ما يحدث. ونحن نتساءل ما فائدة هؤلاء الحراس (أعوان « عدل ») المعينين في العمارة، إن لم يستطيعوا حتى القيام بعمل ساعي البريد؟ »
يسترسل ياسين في حديثه، ويهو يقول أنه يعبر عن مشاعر جميع السكان: « تكشف للجميع أن هذه الأحياء عملية احتيال كبيرة. ولهذا بيعت السكنات بأسعار مقبولة مقارنة بما هو متاح في السوق العقاري. يجعلوننا ندفع ثمنها بطريقة أخرى وغاليا جدًا. ولا أفهم لماذا ندفع أعباء مقابل خدمات منعدمة تماماً ».
والأخطر من ذلك أن بعض المحلات التجارية احتلتها عائلات وحوّلتها إلى مساكن دون خوف من أي متابعة. وهنا يبدو ياسين جازما في كلامه: « هناك تواطؤ مع أعوان عدل، هذا هو التفسير الوحيد أو أنها طريقة لشراء السلم الاجتماعي ». ويضيف متأسفا: « كنت من أوائل سكان الحي قبل سنوات. وهذه المحلات الموجودة أسفل عمارتنا بقيت غير مشغولة إلى اليوم. أحد جيراني الذي كان يرغب في شراء أحد المحلات لم يعرف إلى الآن ما هي الإجراءات المتبعة. ذهب إلى مكتب عدل لكنه لم يحصل منهم على شيء. وتنقل إلى غاية مقر المديرية، ولكنه مرة أخرى لم يستطع الحصول على أي معلومات موثوقة. انتهى به الأمر بالاستسلام، فيما لا يزال المحل الذي يريده مغلقاً إلى حد الساعة ».
نفس الأوضاع وجدناها في حي سبالة حيث أخبرنا عدد من السكان أنه: « أمام تراكم مشاكل انعدام الأمن والنظافة، نظمنا أنفسنا في لجنة وقررنا منع دخول المحلات. بقينا لفترة طويلة نلعب لعبة القط والفأر مع المنحرفين قبل أن نصل إلى هدفنا. أصبحت الحياة لا تطاق والخطر يداهمنا كل يوم. فلقد وقعت عدة اعتداءات وسجلنا حريقاً تمكننا من إخماده في بدايته وتجنبنا بذلك كارثة حقيقية ». ويواصل محدثنا وهو غاضب على ما آل إليه الحي: « لقد تحسن الوضع بشكل ملحوظ، لكننا لا نفهم سبب إغلاق وإهمال هذه المحلات، التي أصبحت مرتعاً لكل أنواع المشاكل ».
لكن في أولاد فايت يبدو الوضع خارج نطاق السيطرة. يتم تحويل المباني إلى مساكن عندما يتم تحويل المساحات المشتركة إلى مباني بينما تظل العديد من المباني الحقيقية مغلقة. بعضها يقع في الطابق الأرضي ، وهو في حالة يرثى لها.
لكن في أولاد فايت يبدو الوضع خارج السيطرة. هناك محلات تم تحويلها إلى مساكن في الوقت الذي يتم تحويل الفضاءات العامة إلى محلات، بينما تظل العديد من المحلات الحقيقية مغلقة. بعضها في حالة مزرية. والغريب أنها مسيجة بسياج من حديد. والبعض الآخر مغلق تمامًا. اقتربنا من شخصين مسنّين لنسمع شهادتيهما. نصحانا « بالانصراف بسرعة » وخاصة « عدم الكشف عن مهنتنا كصحفي حتى لا نعرض أنفسنا لمشاكل كبيرة ». وقبل أن يبتعدا بخطى سريعة كما لو أنهما لا يريدان أن يراهما أحد في صحبتنا، صرحا لنا: « ما يحدث هنا لا يقبله العقل. السلطات العمومية تغض الطرف والناس يستغلون الوضع. التحايلات كثيرة وتغني عن أي تعليق ». وبهذا غادرنا أولاد فايت في اتجاه عين النعجة.
وجدنا حيا تعيسا وأبعد من أن يكون نموذجاً يحتذى به، مع أنه يعتبر أولى مشاريع « عدل » منذ انطلاقتها. المحلات في غالبيتها تحتلها إدارات وشركات وخالية من أي أنشطة تجارية أو ترفيهية. فباستثناء محلين للمواد الغذائية العامة، وكشك صغير لبيع التبغ ومحل لبيع الخردوات، لا يوجد شيء، ولا حتى صيدلية. ويضطر السكان للذهاب بعيداً لشراء حاجياتهم. « أنا متقاعد ولدي كفاية من الوقت للتسوق. لكن لم تعد لدي القدرة على المشي كثيرا، أولادي هم من يقومون بالتسوق لأنني لا أملك سيارة. أقضي وقتي منعزلًا في هذه الشقة من ثلاثة غرف لأنه لا يوجد أي فضاء نستنشق فيه الهواء والتقي بجيراني لتناول القهوة أو لمجرد الدردشة. في هذا المكان نشعر بالملل ونموت ببطء ».
وهنا أيضًا، تتكرر ظاهرة المحلات المغلقة. فصممنا على الذهاب إلى مدينة سيدي عبد الله الجديدة التي تم تدشينها في ديسمبر 2016 وروّجت لها السلطات العمومية كنموذج عمراني لـ »المدينة الذكية ». وكم كانت خيبة أملنا كبيرة، لأننا لم نكتشفا سوى « حي مرقد » عملاق حيث المحلات التجارية، هنا أيضا، مغلقة.
عند المدخل، وجدنا أنفسنا أمام متاجر أشبه بأسواق الأرصفة تعرض سلعاً تفوق ما يمكن أن يحتويه المكان نفسه. وكلما تقدمنا إلى عمق الحي، نلاحظ محلات مغلقة يشبه مصيرها مصير بقية الأحياء. يقول أحد السكان ساخرا: « هذه المحلات بيعت بأسعار باهظة. والغريب أن هذه المحلات إما تباع بأسعار باهظة أو تهمل ». الوضع ليس أفضل في كثير في أحياء « عدل » الأخرى المنتشرة عبر أنحاء التراب الوطني.
هل يمكن أن نستنتج أن تهيئة المحلات التجارية على مستوى أحياء « عدل » فشل ذريع؟ الجواب « نعم » والحكم لا يقبل الطعن. وحتى إذا كان هناك نوع من الصحوة في الآونة الأخيرة من جانب « عدل » التي تحاول بيع المحلات، إلا أن ذلك يبقى غير كاف مقارنة بحجم المعضلة وبعدد المحلات الذي يقدّر بالآلاف.
المحلات المستغلة لا تتعدى نسبتها 05 بالمائة
تسير الأمور ببطء في مديرية التشغيل بولاية الجزائر، لكن بثبات. وفي حديث مع مدير التشغيل بالولاية، السيد براهيمي، صرح لنا أن اللجنة التي تم تشكيلها بعد القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في ماي 2019 « تعمل على قدم وساق لتجسيد سياسة كفيلة بتشجيع الشباب على المبادرة في إطار برامج الدعم مثل « أنساج و »كناك » و »أنجام

استقبلنا محدثنا في مكتبه الكائن في شارع خليفة بوخالفة، وفضل التطرق لعمل اللجنة التي يشرف على أمانتها والمكلفة بدراسة الملفات وتوزيع المحلات التي هي تحت تصرف « عدل » (المحلات غير مباعة في إطار البرنامج الجديد) وليس تلك المدرجة في البرنامج القديم الذي يشرف عليه الولاة المنتدبين ورؤساء البلديات منذ 2012. وفي هذا الصدد، أكد لنا مصدر أن « نسبة المحلات الممنوحة لا تتجاوز 5٪، في حين أن عددها بالآلاف »، واصفا هذه العملية بـ »الفشل الذريع »، هذا بالإضافة إلى أن « لا أحد يعرف مصير المحلات في الأحياء القديمة ».
يقول السيد الإبراهيمي إن « اللجنة الحالية تعالج الملف بجدية كبيرة منذ ماي 2019″، مدعما قوله بالأرقام التراكمية حتى 31 أوت 2020. بالنسبة لولاية الجزائر وحدها، 731 محل « عدل » و238 تابعة لديوان الترقية العقارية قد وضعت تحت تصرف اللجنة. ولقد تلقت اللجنة 525 طلب « أنساج » و149 « كناك » و316 طلبًا من « أنجام » ومؤسسة ناشئة واحدة. ولقد تمت معالجة 277 ملف « انساج » ورفض منها 27، وتم منح 250 محل. بالنسبة لـ »كناك »، تمت معالجة 87 ملف ورفض 29 ومنح 58 محل. وكانت المؤسسة الناشئة الوحيدة التي تقدمت بطلب تم قبولها، كما تمت معالجة 196 ملف « أنجام » ورفض منها 13 ومنح 176 محل.
تحتل النساء مكانة بارزة في هذه العملية التي تخص 969 محلا. من بين 478 امرأة تقدمت بطلبات، تم قبول 281. نسجل أيضًا ترشيح 13 معاقًا، استفاد 9 منهم من محلات (2 « أنساج » و 9 « انجام »). وهنا يوضح السيد براهمي أنه “تم إقرار إيجار بمعدل 150 دينار للمتر المربع بالنسبة لمحلات ديوان الترقية العقارية و200 دينار لمحلات « عدل »، لمدة عشر سنوات على الأقل. وعلى المدى البعيد، ستكون هناك إمكانية للمستفيد لاكتساب المحل المعني »، مشيرًا إلى أن « اللجنة الوزارية المشرفة على هذه العملية يترأسها الوالي ». وهي تضم مدير التشغيل بالولاية الذي يشرف على الأمانة وممثلي « أنساج » و »أنجام » و »كناك » و »عدل » وديوان الترقية العقارية ومديرية الإسكان والأملاك العمومية ».
لغز المحلات الشاغرة
آلاف من محلات « عدل » عبر أنحاء التراب الوطني بقيت غير مستغلة منذ عدة سنوات، لم تلق زبوناً أو أنها بقيت مغلقة، مع أنها بيعت منذ زمن بعيد دون أن يتمكن أحد، من المسؤولين أو غيرهم، من تبرير هذا الوضع. فأصبح من الصعب التطرق إلى الموضوع الذي يشقا الإنسان كثيراً ليجد من يقبل الحديث عنه.
مع أن المتدخلين في الملف تكاثروا، بدءًا بعدل التي سيّرت المحلات وتوزيعها حتى عام 2012. لتنتقل بعد ذلك هذه المهمة إلى الولايات (المنتدبة)، وكذلك إلى رؤساء البلديات في إطار برنامج دعم المقاولين والمستفيدين من مشاريع « أنساج » و »كناك » و »أنجام ».

عاد تسيير المحلات وتوزيعها إلى « عدل » مجدداً منذ عام 2013 في إطار ما يُعرف باسم « البرنامج الجديد »، أي « عدل 2″. لكن هذا لم يحل ظاهرة المحلات المغلقة التي استمرت منذ تسليم أولى الأحياء في عام 2004 إلى مدينتي سيدي عبد الله وبوعنان الجديدتين. هذه المحلات التي تقع أسفل العمارات أو في الطابق الأول، وقد تم تصميمها أصلا للوظائف الحرة. الكثير منها لم تجد مشترياً مع أنها تعود غلى أكثر من 15 سنة. في البداية، كانت تمنح عن طريق البيع بالمزاد المنشور في موقع عدل » والإعلانات في الصحف، لكن العملية لم تلق نجاحا كبيرا.عدد كبير منها لم تُبع، ولا أحد يعرف السبب.
البعض يفسّر الأمر بسوء اختيار مواقع معظم تلك المحلات، مما لا يضمن لها نجاح أنشطتها. فيما يرجعه آخرون إلى السعر المعلن عنه الذي اعتبر « باهظا » حتى بين عامي 2004 و2012. أما منذ 2013، فأصبح « مبالغا فيه »، كما وُصف. يضاف إلى ذلك غياب المعلومات والتعتيم المضروب على عملية التوزيع والتي عادة ما تصنف ضمن العراقيل الرئيسية. للعلم فقط، اليوم، يمكن أن يصل سعر المزاد إلى 111 ألف دينار للمتر المربع كسعر عرض. وهو السعر الموجود حاليا في مدينة بوعنان الجديدة (البليدة) على سبيل المثال. سعر يعتبره كثير من المشترين المحتملين « غير مبرر، وهذا ما يرفع ثمن المحل الواحد إلى نحو ملياري دينار. لا نفهم ما الذي يبرر مثل هذه الأسعار خاصة وأن المحلات لا تقع كلها في ممرات آهلة » ويستغربون من أن « جميع المحالات متساوية وتعرض بنفس السعر ».
في نهاية المطاف، ألغيت كل المناقصات، وبقيت مئات، بل آلاف، المحلات مهملة ولم تخدم لا سكان الحي ولا غيرهم وشكلّت خسارة للسلطات العمومية. والأسوأ من ذلك أنها تصبح مأى للمنحرفين وتحوّل أحيانًا إلى أماكن للدعارة والمخدرات. وهذا ما يزيد من انعدام الأمن في الأحياء عندما لا تكون مصدرًا للأوساخ. كثيرا ما اشتكى السكان كتابيًا من « تدهور الأحوال المعيشية في هذه الأماكن » التي يصفونها بـ « الأحياء المراقد » التي، وبالإضافة إلى ذلك، تفتقر إلى كل شروط الراحة الأساسية.
أمام تقاعس مصالح « عدل »، ذهب البعض إلى حد أخذ الأمور بأيديهم بسد مداخل المحلات للحد من هذا الوضع الكارثي، ولو أن ذلك لم يكن حلا فعالًا حقًا.
منذ ترة، استعادة « عدل » زمام المبادرة بالتسريع من عملية البيع، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج الجديد. ومع ذلك، يظل سعر المتر المربع ونقص المعلومات مطروحين بحدة وقد لا يساعد ذلك في تغيير الوضع
« مدير وكالة عدل » طارق بلعربي: « لا أريد محلات مغلقة بعد الآن
يقول المدير العام لوكالة « عدل » إنه لا يعرف عدد المحلات التي هي تحت تصرفه حاليًا ويقول إنه ليس مسئولاً عن البرنامج القديم

هناك طبعتان من المحلات، أولهما منبثقة من البرنامج القديم بين عامي 2001 و2012 والثانية تتعلق بالبرنامج الجديد الذي انطلق في 2013 وهو من مسؤولية « عدل ». ويوضح مدير عام الوكالة، طارق لعريبي، في حديثه معنا أنه « تم تخصيص البرنامج القديم للولاية ».
ولقد أكد لنا محدثنا الذي التقينا به في مكتبه أنه لا يعرف عدد المحلات التي بحوزته حاليًا، مفسرا ذلك بانعدام « إحصائيات دقيقة ». وأمام إصرارنا، كشف في النهاية أن هناك « آلاف اقترضت من البنوك من أجل إنجازها ».
تُعرض هذه المحلات في مزاد علني اكتسب زخمًا على ما يبدو في الآونة الأخيرة. يقول محدثنا: « لا أريد مغلقة من الآن وأعمل على بيعها بالشكل الذي يعطي حيوية للحي »، منفضا يديه فيما يتعلق بمحلات البرنامج القديم الذي كانت مع ذلك تسيّره « عدل » حتى عام 2012. ويصر مدير عامها بقوله: « أنا لست مسئولاً عن الالتزامات السابقة ».
وعندما سألناه عن سبب عدم نشر إعلانات ببيع المحلات على موقع « عدل » الإلكتروني، قال السيد بلعريبي أنها « منشورة على صفحة المديرية العامة للوكالة في فيسبوك بالإضافة إلى منشورات في عدد من الصحف ». وفيما يتعلق ببيع المحلات، أوضح السيد بلعريبي أن « الدفع يتم نقدًا » وأنه « لا يوجد سعر مرجعي للمتر المربع »، مؤكدا أن « كل مشروع له تكلفته لأنه ملف معدّ مسبقا ».
للإشارة أيضا إن « عدل » هي التي تختار النشاط لكل محل وتفرضه على المشتري. وفي هذا الصدد، يقول المدير العام: « يحدد النشاط في كل موقع على أساس توصيات من أخصائيين منهم مهندسون معماريون وخبراء في علم الاجتماع. و حتى إذا أراد المالك بيع العقار، فيجب على المشتري الجديد الاستمرار في نفس النشاط »، مضيفا: « لا أريد الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعت في الماضي »، في إشارة إلى البرنامج القديم. ويتابع: « الناس الذين يملكون أموالا كثيرة يأتون ويشترون المحلات ويتركونها مغلقة لسبب لا أعرفه. هذا الأمر سوف لن يتكرر. نريد إنشاء حيا سكنيا متكاملة فيه كثير من الأنشطة التي تلبي احتياجات السكان. وكالة عدل ليست هنا لتسويق منتوج يستغل للمضاربة. لا أريد أن تباع المحلات ويعاد بيعها وتنتقل من يد إلى يد عدة مرات ». ومن هذا المنطلق يُسمح للمشتري الجديد بفترة خمسة عشر يومًا للقيام بأعمال تهيئة صغيرة والشروع في نشاطه. ومن غير ذلك، فإن « عدل » ستتدخل وقد تضطر لاستعادة ممتلكاتها. ويشير المدير العام إلى أن « كل شيء منصوص عليه في دفتر الأعباء ».
دفتر الأعباء وقيوده
هو وثيقة من 200 صفحة حصلنا على نسخة منها. المتقدم لشراء عقار يدفع 5000 دينار للحصول عليه. الذي يحدث هو أن « عدل » تطالب باسترجاعه عند إيداع الملف الذي تطلب عدة نسخ منه. يُطلب من المتقدم للشراء دفع 10٪ من السعر المحدد وهو سعر العرض الذي يعادل سعر مرجعي يقارب 111ألف دينار. بمعنى آخر، إذا اختار أحد محلا تجاريا بمساحة 30 مترا مربعا بمعدل 116363.70 دينار للمتر المربع، فعليه أن يدفع 350 ألف دينار (10٪ من سعر البيع). يمكن لبعض المحلات الأكبر مساحة أن تصل إلى حوالي 2 مليار دينار. يُطلب من المتقدم دفع ثمن الشراء بالكامل في غضون فترة لا تتجاوز 20 يوما بعد صفقة البيع الناتجة عن المزاد العلني.
تباع المحلات عن طريق المزاد العلني لمن يدفع أعلى سعر وفقًا للقائمة (مجموعات) التي تقررها « عدل » عبر منشورات في عدد من الصحف (العمومية في الغالب) أو على صفحة المديرية العامة للوكالة في فيسبوك، مستثنيا بذلك الموقع الرسمي للوكالة الذي كان من المفروض أن ينشر هذه المعلومات كما كان يتم في الماضي. لكن العقبة الأكثر تداولا من قبل المتقدمين تكمن في كون أن « عدل » تفرض النشاط.
يقول أحد المتقدمين: « ليس من المنطقي أن تفرض عدل نشاطًا عليّ، إذا كنت راغبا في محل للقيام بالنشاط الذي يناسبني أو الذي أملك تسهيلاته فيه. الآن إذا كان غرض عدل هو تنويع الأنشطة، فهناك العديد من الطرق الأخرى. البقية يحددها السوق لأن النشاط الذي اختير لي قد يفشل. فما العمل حينئذ؟ »، مضيفًا أنهم « لا يفرضون فقط علينا سعرًا مرتفعًا للمتر المربع، بل تصل بهم الجرأة إلى أن يملوا علينا ما يجب فعله بالعقار المكتسب؟ سوف ترون. باستثناء المحلات الفخمة، لن تجد المحلات الأخرى أي مشتري بهذه الأسعار وهذا الكم من الشروط التعجيزية، بل وغير المنطقية ». وهناك أيضا من استغرب كون أن بعض المحلات المعروضة للبيع لم تحدد عليها عدد من الأنشطة. قال لنا أحدهم: « كنت راغبا في صيدلية، لكن هذا النوع من النشاط غير موجود في مجموعة من 200 محل معروضة لمدينة بوعنان الجديدة مقابل 5000 مسكن، على غرار عدة أنشطة أخرى مثل المخابز وغيرها ».
ويستطرد آخر بقوله: « يبدو أنه بالنسبة لهذا النوع من النشاط، يتم بيع المحلات بالتراضي دون التمكن من التحقق من ذلك لدى مصالح عدل. نحن نفتقر إلى المعلومات ولا نعرف حتى إلى أين نذهل ولمن نتوجه. كان حري على عدل أن تنشر كل شيء على موقعها وإقرار كل شيء في شفافية. ومن الواضح أن كل هذا التعتيم يساعد على التحايلات، مع أنهم يقولون أن كل شيء مدروس. وعليه، كيف يمكن للمرء أن يفهم أن محلا تبلغ مساحته 9.40 متر مربع (المحل رقم 5، الطابق الأرضي في العمارة « ج ») مخصص لنشاط بيع الأثاث؟ وأؤكد لكم أن هناك سخافات أخرى كثيرة كلبها من وحي دفتر الأعباء. وهذا ما يضع ما يعجز المتقديمن للشراء وتبقى المحلات مغلقة « .
أجرت التحقيق: نبيلة سعيدون
ترجمة: م. عاشوري
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.
