أكدت جميع الحكومات المتعاقبة على ضرورة تعزيز استخدام الطاقة النظيفة التي تنتجها الرياح والشمس وليس النفط، موضحة أن إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة يعد بمستقبل كبير في البلاد. كما التزمت كل الحكومات بتطوير وتبسيط القوانين التنظيمية الخاصة بالطاقات المتجددة وإشراك المتعاملين من القطاعين العام والخاص في الاستثمار في الطاقات المتجددة. إلا أن كل ذلك ظل مجرد إعلان نوايا.
وبطبيعة الحال، لا يمكن للبلد أن يكتفي بالوعود على الورق بينما يتجه العالم نحو اقتصاد منخفض الكربون ونحو طاقة نظيفة. ويذكّر رابح طويلب، وهو إطار سابق في شركة سونلغاز (مدير عام سابق للتخطيط الاستراتيجي والاستشراف) وخبير في الطاقة، أن « النية موجودة »، لكنه يوصي بضرورة « المضي قدمًا، وتبني استراتيجية واضحة وفعالة وإحراز تقدم في هذا القطاع ». ومن سبل التنمية التي يقترحها، يرى الخبير أنه لابد من « تشجيع الإنتاج الذاتي على سبيل المثال »، مضيفا « لكن يجب أن يتم ذلك في إطار منظم ومدعوم بقوانين واضحة وشفافة وبالأخص قابلة للتطبيق. »
يقول محدثنا: « يجب أن نمنح الأفراد فرصة لتجهيز أنفسهم بمعدات تستجيب لالحتياجات من حيث إنتاج الكهرباء الخضراء. بهذا يمكنهم الاستثمار في أنظمة الإنتاج الصغيرة أو الصناعية، وتوفير التدفئة والإضاءة باستخدام الطاقة الشمسية ». وماذا يصنع بفائض الإنتاج؟ يؤكد رابح طويلب: « يجب أن يلتزم موزعو الكهرباء قانون بضمان الربط للسماح لصغار المنتجين ببيعها للشبكة، وهي عملية بيع تُخصم من استهلاكهم الخاص خلال فترات أخرى من السنة:، ويتابع: « هذا يعطي الأفراد ضمانة، وبالتالي يشجعهم على الإنتاج. »
ما هي الأطراف التي تحرك الأمور في هذا القطاع؟ يرى المدير العام السابق للاستراتيجية والاستشراف أن هناك « حاجة إلى إقامة علاقات تعاون مثمرة بين المتعاملين في القطاعين العام والخاص، بهدف خلق نوع من التآزر ودعم التمويل والإنجاز المشترك للمشاريع ». وأين سونلغاز من كل هذا؟ سونلغاز لا تفعل إلا ما تأمرها به الدولة. يقول السيد طويلب: « إذا أمرتها الدولة غدًا بإقامة مشروع في الطاقة المتجددة، فإنها ستفعل ذلك، لكن المشروع سيموّل من الخزينة العمومية ». أما « العنصر المهم » الآخر فيتعلق بالتشريع.
يشير الخبير في هذا الصدد إلى أن هناك « نصوص قانونية تحدد إطار قطاع الطاقة المتجددة، ولكن لابد من تحسينه »، مضيفا أنه « إذا سنت الدولة نصوصًا أبسط وأسهل للفهم، فإن هذا سيعطي مؤشرات إيجابية على أنها (الدولة) أخذت اتجاهًا أوضح فيما يتعلق بمصادر الطاقة المتجددة ». كما يؤكد أن الطاقة المتجددة يأتي كمكّل وكدعم للطاقة التقليدية وليست بديلاً عنها.
ومن جانب آخر، يشير محدثنا إلى أن مصادر الطاقة المتجددة هي أحد القطاعات التي تخلق الكثير من مناصب الشغل وتلعب دورا رئيسيا في الاقتصاد. باختصار، إن البلد متأخر كثيرا في هذا المجال وقد حان الوقت للعمل وهيكلة هذا القطاع. ويجب أن تعتمد على الخبرة الدولية المتاحة في هذا المجال. ويتوقع أن يسهل له ذلك انخفاض تكاليف الكيلوواط/ساعة. كما أنه يتيح فرصة نادرة للمستثمرين المحليين والدوليين لإطلاق مشاريع وتطوير الطاقة النظيفة في الجزائر، حيث لا تزال الطاقة الأحفورية تطوّر على نطاق واسع.
« توفيق حسني، مستشار في التحول الطاقوي: « العراقيل ليست فقط تنظيمية

ليبرتي: ما هي أهم الأحكام التشريعية والتنظيمية التي تحكم قطاع الطاقة المتجددة في الجزائر؟
توفيق حسني: النص التشريعي الرئيسي الذي أبرز الإرادة السياسية لتعزيز الطاقات المتجددة يبقى هو القانون رقم 02-01 المؤرخ في 5 فيفري 2002 المتعلق بالكهرباء وتوزيع الغاز عبر الأنابيب. هذا النص كرس نهاية احتكار شركة سونلغاز، التي أصبحت متعاملا تجاريا مثل بقية شركات إنتاج الكهرباء. حتى أن شركة اضطرت لبيع جزء من شبكتها للتوزيع. كان المرسوم الأول يخص الطاقات المتجددة بتحديد أسعار شراء الكهرباء من المصادر المتجددة. وحدد القانون الإجراءات الخاصة بإنشاء سوق للبورصة لشراء الكهرباء من قبل متعاون في السوق.
كما نص على أن تطرح المناقصات بشأن محطات الطاقة المتجددة من قبل لجنة ضبط الكهرباء والغاز. كان أول مشروع التزم بهذا القانون هو مشروع حاسي الرمل للطاقة الشمسية الهجينة. وقد ورد أن سعر السوق المقترح في العروض يجب ألا يتجاوز السعر المحدد بالمرسوم المذكور أعلاه والذي تم تحديده عند 4 دج/كيلوواط ساعة لمحطات الطاقة الشمسية الهجينة. العرض الفائز كان بسعر 3.5 دج/كيلوواط ساعة. هذا السعر ما كان ليطبق إلا في الحالة التي يتجاوز فيها إنتاج الطاقة الشمسية 5٪ من إجمالي الإنتاج، وإلا سينخفض السعر إلى 2 دينار/ كيلوواط ساعة. كما تم تحديد أسعار الطاقات المتجددة الأخرى. اعتبر هذا القانون الأفضل وكنّا أول دولة أقرّته. أما المراسيم الأخرى، وهي في حدود العشرين، والمنصوص عليها في القانون، فلم تر النور.
هل هي كافية، أم هناك حاجة إلى صياغة أحكام إضافية، للسماح لهذا القطاع بالعمل والتطور بالشكل المطلوب؟
لقد رأينا أن هذا القانون سمح بتنفيذ أول مشروع للطاقة الشمسية بهذه السعة في العالم. وأصبح هذا الموقع مرجعاً استشهدت به لجنة الطاقة التابعة للأمم المتحدة في عام 2011. وهذا مهد الطريق لبرنامج بسعة 800 ميغاواط طنّا قد اقترحناه. ولقد منح البنك الدولي قرضا بنسبة مدعومة قدره 160 مليون دولار، وكان من المفترض أن يكون الركيزة لتمويل البرنامج بأكمله. لكن تقرر وضع حد لهذا المسعى برمته مع حظر كلي لتطوير محطات حرارية شمسية هجينة. ولم يقدم أي تفسير لهذا القرار. بل وتم إقصاء الطاقة الشمسية الحرارية في عام 2014 من برنامج 22000 ميغاواط الشامل.
ألا ترون د أن التشريعات الخاصة بالطاقة المتجددة بحاجة إلى تحديث، بالنظر إلى تطور التكنولوجيا والقدرة التنافسية في صناعة هذه الطاقة؟
في الواقع، المشكلة ليست مشكلة قانون ولا مشكلة تكنولوجيا. كان قانون 2002 كافياً. وباستطاعتي القول إن نجاح أي إستراتيجية تطوير الطاقة المتجددة هو أولاً وقبل كل شيء مسألة إرادة سياسية وحرية استثمار. يكفي إزالة العراقيل حتى تتقدم صناعة الطاقات المتجددة. يجب أن نتوقف عن فرض تكنولوجيات على المستثمرين، وسعات محطات توليد الكهرباء (غير المربحة لأنها جد منخفضة)، ومواقع لإقامة وحدات إنتاج الكهرباء.
وبالمقابل، لا ينبغي إجبارهم على الاستثمار في تصنيع التجهيزات الخاصة بهذه التكنولوجيات. وتجدر الإشارة إلى أن الاستثمار في الطاقة بشكل عام يستهلك رؤوس موال كثيرة. كما أنها مخاطرة كبيرة بالنسبة للمستثمر الذي يتوقع عائدًا على استثماره. يجب أن نعلم أن توليد الكهرباء هي صناعة مختلفة عن تصنيع المعدات. لا يمكن فرض ذلك، علما بأن حجم السوق المقترح لا يضمن للاستثمار حدًا أدنى من المردودية.
لا يمكن فرض قيود أخرى مثل تلك المذكورة أعلاه على المستثمر. العراقيل أمام مصادر الطاقة المتجددة ليست تنظيمية فقط. بل إنها مرتبطة بسياسة الإعانات للطاقات الأحفورية (15 مليار دولار سنويا) وباحتكار سونلغاز للطاقة المتجددة. لا ننسى أن مرسوما أعاد الاحتكار من جديد لصالح المتعامل التاريخي. هذا مثال على غياب الإرادة السياسية حيث بموجب مرسوم واحد، أعدنا النظر في قانون كان قد سمح للطاقة المتجددة بالتخلص من الاحتكار.
الطاقات المتجددة بالأرقام
في الجزائر، تقدر سعة الطاقات المتجددة بين عامي 2010 و 2019 بـ 390 ميغاواط ، أي 1.8٪ فقط من 22 ألف ميغاواط سيتم استعمالها بحلول عام 2030، استنادا لبوابة الطاقة المتجددة الجزائرية.
– في عام 2019، زادت السعة المركبة لقطاع الطاقة المتجددة في العالم بمقدار 176 جيغاواط ، أي أقل بقليل من 179 جيغاواط الموافقة لعام 2018، حسب الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
– تطورت الطاقات المتجددة بنسبة 7.6٪ العام الماضي، وسيطرت آسيا على هذا النمو بحيث أنجزت 54٪ من إجمالي المنشآت الجديدة.
– في عام 2019، ساهمت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بنسبة 90٪ من إجمالي الطاقة المتجددة.
– استحوذت الطاقات المتجددة على 70٪ على الأقل من المنشآت الجديدة في جميع المناطق تقريبًا في 2019، باستثناء إفريقيا والشرق الأوسط، حيث بلغت حصة كل منهما 52٪ و 26٪ من صافي الإضافات.
– أدت هذه الإضافات إلى رفع حصة مصادر الطاقة المتجددة في إجمالي سعة الطاقة العالمية إلى 34.7٪، مقابل 33.3٪ في نهاية 2018.
– في عام 2019، مثلت الطاقة الشمسية إضافة 98 جيغاواط، 60٪ منها في آسيا.
– وفرت طاقة الرياح 60 جيغاواط إضافية. وتتصدر هذا النمو كل من الصين (26 جيغاواط) والولايات المتحدة (9 جيغاواط).
اليوم، تنتج هاتان التكنولوجيتان 623 جيغاواط و 586 جيغاواط على التوالي، أي ما يقرب من نصف السعة المتجددة في العالم.
– شهدت الطاقة الكهرومائية والطاقة الحيوية والطاقة الحرارية الأرضية والطاقة البحرية توسعًا معتدلاً منذ العام الماضي، بـ 12 جيغاواط و 6 جيغاواط و 700 ميغاواط و 500 ميغاواط على التوالي.
« مراد الوضاح، مدير عام شركة « إيريس جي سي » للصناعة: « غياب الرؤية والأهداف يغذي الشكوك

مراد الوضاح خبير في الطاقة، أسس شركته الخاصة في عام 2008 ، تختص في عقود الهندسة والتموين والبناء في مجال الطاقة المتجددة. وهو رئيس مديرها العام. « تملك إيريس جي سي للصناعة قدرات هندسية داخلية لإنتاج وبيع الكهرباء من أصولها الخاصة للسوق الجزائري ». وتركز المؤسسة « على تطوير الهندسة المحلية في علاقاتها مع شركائها ». في هذا الحوار، يؤكد أن « غياب الآليات الفعالة التي تضمن تحولا طاقويا قد حجب المتعاملين عن الظهور في الساحة ». وعلى حد قوله « لا يوجد سوق للطاقة المتجددة في الجزائر ».
ليبرتي: ما هي نظرتكم للطاقة المتجددة في الجزائر؟
مراد الوضاح: هناك جانبان متناقضان يميزان الطاقة المتجددة في الجزائر: القدرات من ناحية، والوسائل المستخدمة لاستغلالها. فالجزائر تملك ثروة كبيرة مختلطة تهيمن عليها الطاقة الشمسية، فضلاً عن المساحة الشاسعة. من بين هذه الثروات، توجد تلك الثروة الشمسية أساسا في جنوب البلاد. ومع ذلك، فإن استغلالها لا يزال ضعيفا بسبب التهاون في اتخاذ القرار وعدم وجود التزام سياسي. أود أن أشير إلى أنه تاريخيًا، لم يدرك صناع القرار في بلدنا بالحاجة إلى التحول إلى الطاقة المتجددة إلا في وقت متأخر جدا، لسبب مرتبط بكون أن الجزائر تملك موارد أحفورية. بمعنى آخر، لم تبدأ الدولة في الاهتمام بها إلا بعد أن استشعرت خطر استنفاد مواردها من النفط والغاز، في حين كان العالم يتقدّم وما زال يتثدّم في مجال الطاقة المتجددة. ففي سنة 2019 وحدها، تم تركيب 176 جيغاواط من الطاقة المتجددة حول العالم، وفقًا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
في الجزائر، صدر أول إعلان رسمي يتعلق بتطوير الطاقات المتجددة في عام 2010. وتضاعفت الإعلانات منذ ذلك الحين، دون أن تتبعها إجراءات عملية. تم تركيب سعة تراكمية تبلغ 350 ميغاواط فقط من قبل SKTM، إحدى الشركات التابعة لسونلغاز. بالقياس، تمثل 350 ميغاواط 0.19٪ مقارنة بالإنتاج العالمي في عام 2019 وحده، وهي نسبة ضئيلة. وفيما يخص بالأطراف التي يجب أن تتدخل في الطاقة المتجددة، يجب أن أقول إن هناك ازدواجية بين العام والخاص. أعتقد أن هذا مشكل هام، لكن من السهل إيجاد حل له إذا توفرت الإرادة لدى صناع القرار في مجال الطاقة. لكن إلى حد الآن، لم يتم حل المشكلة. رغم أن القانون الجزائري فتح مجال إنتاج الطاقة المتجددة للمنافسة، إلا أن هذه المنافسة منعدمة. في مجال مصادر الطاقة المتجددة، مع أن التجربة العالمية أثبتت أن المتعاملين المستقلين هم محركات تطوير الطاقة المتجددة.
ما هي، في تقديركم، أكثر العراقيل إعاقة لتطوير الطاقات المتجددة في الجزائر؟
يعتبر احتكار سونلغاز لسوق الطاقة الوطنية أول عقبة أمام تطوير مصادر الطاقة المتجددة. العقبة الثانية هي السعر المطبق في مجال توزيع الغاز والكهرباء، وهو سعر لا يتناسب مع سعر الإنتاج الفعلي. يضاف إلى ذلك الافتقار إلى الآليات الفعالة التي تضمن التحول الطاقوي. لأن هذا حجب المتعاملين من البروز في الساحة. وهؤلاء لا يمكنهم الاستثمار في مثل هذه البيئة. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد شيء اسمه سوق للطاقات المتجددة. وبالطبع، إذا لم يوجد سوق لا توجد استثمارات. أقول مرة أخرى إن النوايا موجودة، والإمكانيات موجودة أيضًا. لكن الافتقار إلى رؤية واضحة وأهداف محددة وعملية، فضلاً عن إجراءات ملموسة، كل ذلك يغذي الشكوك.
كثرة التصريحات والإعلانات دون تنفيذ أضعف مصداقية الهيئات المكلفة بتطوير الطاقات المتجددة في الجزائر. نتذكر أنه في عام 2014، أعلن المسؤولون في ذلك الوقت أن الدولة تخطط للوصول إلى 22000 ميغاواط من السعة المركبة بحلول عام 2030. بعد ذلك بعامين (في 2016) ، انخفض هذا الرقم إلى 4050 ميغاواط، قبل أن ينخفض أكثر إلى 4000 ميغاواط في بداية 2020. كل هذه الإعلانات لم تعدوا مجرد إعلان نوايا. هذا الأسلوب لا يشجع على ظهور سوق حقيقي للطاقات المتجددة.
ميزت العديد من البلدان قطاعين: كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة ، مع قطاعين فرعيين هما الرياح والطاقة الكهروضوئية. وقد سمح ذلك بالتقليص من الحصة الأحفورية للكهرباء في المزيج الطاقوي. هل الجزائر في وضع يسمح لها بفعل نفس الشيء؟
هذان القطاعان ليسا متعارضين. بالعكس، لابد من العمل عل كليهما. بدأت الجزائر في التحكم في الطاقة، لاسيما من خلال إصدار قانون التحكم في الطاقة عام 1999. وفي 2010، أعلنت عن ترقية الطاقات المتجددة وإدخالها في مزيج الطاقة الوطني. ومع ذلك، وكما نلاحظ، فإن النتيجة لم ترق إلى مستوى التطلعات. تعد كفاءة الطاقة مصدرا مهما، بمعنى أنها تسمح بتقليص استهلاك الطاقة والتخفيف من إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتساعد على ضمان أمن الطاقة واقتصاد الأموال.
في حالتنا، ستسمح لنا أيضًا بتوفير المزيد من الغاز عند التصدير. يشكل هذان الجانبان وحدهما ركيزة التحول الطاقوي الذي يجب علينا أن ننجزه بنجاح بأي ثمن. وفي هذا السياق، لا بد من الترحيب بمبادرة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لإنشاء وزارة التحول الطاقوي والطاقات المتجددة، التي تشكل خطوة نحو تحقيق الانسجام الضروري لسياسة الطاقة. من المهم الآن أن نضيف إلى هذا المسعى الحكومي رؤية وورقة عملية، مع توفير وسائل التنفيذ. كما يتعين على جميع الأطراف المعنية بتنظيم نفسها للعمل معًا. ولابد من رسم خطة ومتابعتها مع تقييم منتظم لفعالية هذه الإجراءات.
ما هي في رأيكم الأولويات في مجال الطاقة المتجددة؟
في رأيي، يجب أن نبدأ باتخاذ إجراءات ملموسة وقابلة للتطبيق. منها: التشجيع المستمر للنظام خارج الشبكة الذي يسمح بالوصول إلى مناطق الظل والأقاليم الزراعية وتقليل الضغط على شبكة الكهرباء وبالتالي تحسين خدمة الطاقة. وهذا سيخلق عددًا كبيرًا من الأنشطة التي تولد ثروة ومناصب شغل، ويحسن الإطار التنظيمي لدعم إنشاء مؤسسات وتزويدها بسوق حقيقي،ويسمح بإطلاق برنامج عملي على مدى سنوات لمحطات الطاقة المتجددة المتصلة بالشبكة، ويساعد على ظهور متعاملين وطنيين في إنتاج الكهرباء المتجددة. هناك أيضًا الحاجة إلى وضع إطار قانوني محفز وفعال لإنشاء مؤسسات وشركات ناشئة يشمل التمويل والهندسة والتموين والبناء، فضلاً عن الاستغلال والصيانة.
وماذا عن ديزيرتيك، هذا المشروع الذي يعود إلى سنوات، هل يجب دفنه؟
لم يعد « ديزيرتيك » مشروعا بحد ذاته. أنا أفضل الحديث عن مبادرة، كما يسميها أصلا المبادرون به. المشروع الذي تم الإعلان عنه في 2009 انحرف عن مهمته الأولية. في البداية، كان مشروعًا لإنتاج الكهرباء المتجددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بهدف تصدير جزء كبير من هذه الطاقة إلى بلدان جنوب أوروبا. في غضون ذلك، أصدر الاتحاد الأوروبي تعليمة تفرض على الأوروبيين شراء الكهرباء المتجددة من خارج أوروبا، بشرط نقلها إلى حدودها. وهذا شرط صحيح الالتزام، لأن الترابطات الكهربائية بين المناطق تتطلب استثمارات جد ضخمة.
بالإضافة إلى ذلك، تضررت الفكرة الأصلية من تداعيات تطور اقتصاد الاتحاد الأوروبي: فقد أدى الانخفاض في الطلب على الطاقة والتطور الكبير في القدرات المتجددة في أوروبا إلى إعادة توجيه الاتحاد الأوروبي نحو تأمين إمداداته. ومن هنا، سيكون لم يعد لمشروع ديزيرتيك أي مبرر للوجود. أما الطبعة الحالية من المبادرة فهي عبارة عن منصة تبادل وميسّر للسوق يضم متعاملين عالميين. وبالتالي، فهو أشبه بمبادرات الاستشارة والدراسة الأخرى.
أعد الملف والحوارات: يوسف سلامي
ترجمة: م. عاشوري
أكدت جميع الحكومات المتعاقبة على ضرورة تعزيز استخدام الطاقة النظيفة التي تنتجها الرياح والشمس وليس النفط، موضحة أن إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة يعد بمستقبل كبير في البلاد. كما التزمت كل الحكومات بتطوير وتبسيط القوانين التنظيمية الخاصة بالطاقات المتجددة وإشراك المتعاملين من القطاعين العام والخاص في الاستثمار في الطاقات المتجددة. إلا أن كل ذلك ظل مجرد إعلان نوايا.
وبطبيعة الحال، لا يمكن للبلد أن يكتفي بالوعود على الورق بينما يتجه العالم نحو اقتصاد منخفض الكربون ونحو طاقة نظيفة. ويذكّر رابح طويلب، وهو إطار سابق في شركة سونلغاز (مدير عام سابق للتخطيط الاستراتيجي والاستشراف) وخبير في الطاقة، أن « النية موجودة »، لكنه يوصي بضرورة « المضي قدمًا، وتبني استراتيجية واضحة وفعالة وإحراز تقدم في هذا القطاع ». ومن سبل التنمية التي يقترحها، يرى الخبير أنه لابد من « تشجيع الإنتاج الذاتي على سبيل المثال »، مضيفا « لكن يجب أن يتم ذلك في إطار منظم ومدعوم بقوانين واضحة وشفافة وبالأخص قابلة للتطبيق. »
يقول محدثنا: « يجب أن نمنح الأفراد فرصة لتجهيز أنفسهم بمعدات تستجيب لالحتياجات من حيث إنتاج الكهرباء الخضراء. بهذا يمكنهم الاستثمار في أنظمة الإنتاج الصغيرة أو الصناعية، وتوفير التدفئة والإضاءة باستخدام الطاقة الشمسية ». وماذا يصنع بفائض الإنتاج؟ يؤكد رابح طويلب: « يجب أن يلتزم موزعو الكهرباء قانون بضمان الربط للسماح لصغار المنتجين ببيعها للشبكة، وهي عملية بيع تُخصم من استهلاكهم الخاص خلال فترات أخرى من السنة:، ويتابع: « هذا يعطي الأفراد ضمانة، وبالتالي يشجعهم على الإنتاج. »
ما هي الأطراف التي تحرك الأمور في هذا القطاع؟ يرى المدير العام السابق للاستراتيجية والاستشراف أن هناك « حاجة إلى إقامة علاقات تعاون مثمرة بين المتعاملين في القطاعين العام والخاص، بهدف خلق نوع من التآزر ودعم التمويل والإنجاز المشترك للمشاريع ». وأين سونلغاز من كل هذا؟ سونلغاز لا تفعل إلا ما تأمرها به الدولة. يقول السيد طويلب: « إذا أمرتها الدولة غدًا بإقامة مشروع في الطاقة المتجددة، فإنها ستفعل ذلك، لكن المشروع سيموّل من الخزينة العمومية ». أما « العنصر المهم » الآخر فيتعلق بالتشريع.
يشير الخبير في هذا الصدد إلى أن هناك « نصوص قانونية تحدد إطار قطاع الطاقة المتجددة، ولكن لابد من تحسينه »، مضيفا أنه « إذا سنت الدولة نصوصًا أبسط وأسهل للفهم، فإن هذا سيعطي مؤشرات إيجابية على أنها (الدولة) أخذت اتجاهًا أوضح فيما يتعلق بمصادر الطاقة المتجددة ». كما يؤكد أن الطاقة المتجددة يأتي كمكّل وكدعم للطاقة التقليدية وليست بديلاً عنها.
ومن جانب آخر، يشير محدثنا إلى أن مصادر الطاقة المتجددة هي أحد القطاعات التي تخلق الكثير من مناصب الشغل وتلعب دورا رئيسيا في الاقتصاد. باختصار، إن البلد متأخر كثيرا في هذا المجال وقد حان الوقت للعمل وهيكلة هذا القطاع. ويجب أن تعتمد على الخبرة الدولية المتاحة في هذا المجال. ويتوقع أن يسهل له ذلك انخفاض تكاليف الكيلوواط/ساعة. كما أنه يتيح فرصة نادرة للمستثمرين المحليين والدوليين لإطلاق مشاريع وتطوير الطاقة النظيفة في الجزائر، حيث لا تزال الطاقة الأحفورية تطوّر على نطاق واسع.
« توفيق حسني، مستشار في التحول الطاقوي: « العراقيل ليست فقط تنظيمية

ليبرتي: ما هي أهم الأحكام التشريعية والتنظيمية التي تحكم قطاع الطاقة المتجددة في الجزائر؟
توفيق حسني: النص التشريعي الرئيسي الذي أبرز الإرادة السياسية لتعزيز الطاقات المتجددة يبقى هو القانون رقم 02-01 المؤرخ في 5 فيفري 2002 المتعلق بالكهرباء وتوزيع الغاز عبر الأنابيب. هذا النص كرس نهاية احتكار شركة سونلغاز، التي أصبحت متعاملا تجاريا مثل بقية شركات إنتاج الكهرباء. حتى أن شركة اضطرت لبيع جزء من شبكتها للتوزيع. كان المرسوم الأول يخص الطاقات المتجددة بتحديد أسعار شراء الكهرباء من المصادر المتجددة. وحدد القانون الإجراءات الخاصة بإنشاء سوق للبورصة لشراء الكهرباء من قبل متعاون في السوق.
كما نص على أن تطرح المناقصات بشأن محطات الطاقة المتجددة من قبل لجنة ضبط الكهرباء والغاز. كان أول مشروع التزم بهذا القانون هو مشروع حاسي الرمل للطاقة الشمسية الهجينة. وقد ورد أن سعر السوق المقترح في العروض يجب ألا يتجاوز السعر المحدد بالمرسوم المذكور أعلاه والذي تم تحديده عند 4 دج/كيلوواط ساعة لمحطات الطاقة الشمسية الهجينة. العرض الفائز كان بسعر 3.5 دج/كيلوواط ساعة. هذا السعر ما كان ليطبق إلا في الحالة التي يتجاوز فيها إنتاج الطاقة الشمسية 5٪ من إجمالي الإنتاج، وإلا سينخفض السعر إلى 2 دينار/ كيلوواط ساعة. كما تم تحديد أسعار الطاقات المتجددة الأخرى. اعتبر هذا القانون الأفضل وكنّا أول دولة أقرّته. أما المراسيم الأخرى، وهي في حدود العشرين، والمنصوص عليها في القانون، فلم تر النور.
هل هي كافية، أم هناك حاجة إلى صياغة أحكام إضافية، للسماح لهذا القطاع بالعمل والتطور بالشكل المطلوب؟
لقد رأينا أن هذا القانون سمح بتنفيذ أول مشروع للطاقة الشمسية بهذه السعة في العالم. وأصبح هذا الموقع مرجعاً استشهدت به لجنة الطاقة التابعة للأمم المتحدة في عام 2011. وهذا مهد الطريق لبرنامج بسعة 800 ميغاواط طنّا قد اقترحناه. ولقد منح البنك الدولي قرضا بنسبة مدعومة قدره 160 مليون دولار، وكان من المفترض أن يكون الركيزة لتمويل البرنامج بأكمله. لكن تقرر وضع حد لهذا المسعى برمته مع حظر كلي لتطوير محطات حرارية شمسية هجينة. ولم يقدم أي تفسير لهذا القرار. بل وتم إقصاء الطاقة الشمسية الحرارية في عام 2014 من برنامج 22000 ميغاواط الشامل.
ألا ترون د أن التشريعات الخاصة بالطاقة المتجددة بحاجة إلى تحديث، بالنظر إلى تطور التكنولوجيا والقدرة التنافسية في صناعة هذه الطاقة؟
في الواقع، المشكلة ليست مشكلة قانون ولا مشكلة تكنولوجيا. كان قانون 2002 كافياً. وباستطاعتي القول إن نجاح أي إستراتيجية تطوير الطاقة المتجددة هو أولاً وقبل كل شيء مسألة إرادة سياسية وحرية استثمار. يكفي إزالة العراقيل حتى تتقدم صناعة الطاقات المتجددة. يجب أن نتوقف عن فرض تكنولوجيات على المستثمرين، وسعات محطات توليد الكهرباء (غير المربحة لأنها جد منخفضة)، ومواقع لإقامة وحدات إنتاج الكهرباء.
وبالمقابل، لا ينبغي إجبارهم على الاستثمار في تصنيع التجهيزات الخاصة بهذه التكنولوجيات. وتجدر الإشارة إلى أن الاستثمار في الطاقة بشكل عام يستهلك رؤوس موال كثيرة. كما أنها مخاطرة كبيرة بالنسبة للمستثمر الذي يتوقع عائدًا على استثماره. يجب أن نعلم أن توليد الكهرباء هي صناعة مختلفة عن تصنيع المعدات. لا يمكن فرض ذلك، علما بأن حجم السوق المقترح لا يضمن للاستثمار حدًا أدنى من المردودية.
لا يمكن فرض قيود أخرى مثل تلك المذكورة أعلاه على المستثمر. العراقيل أمام مصادر الطاقة المتجددة ليست تنظيمية فقط. بل إنها مرتبطة بسياسة الإعانات للطاقات الأحفورية (15 مليار دولار سنويا) وباحتكار سونلغاز للطاقة المتجددة. لا ننسى أن مرسوما أعاد الاحتكار من جديد لصالح المتعامل التاريخي. هذا مثال على غياب الإرادة السياسية حيث بموجب مرسوم واحد، أعدنا النظر في قانون كان قد سمح للطاقة المتجددة بالتخلص من الاحتكار.
الطاقات المتجددة بالأرقام
في الجزائر، تقدر سعة الطاقات المتجددة بين عامي 2010 و 2019 بـ 390 ميغاواط ، أي 1.8٪ فقط من 22 ألف ميغاواط سيتم استعمالها بحلول عام 2030، استنادا لبوابة الطاقة المتجددة الجزائرية.
– في عام 2019، زادت السعة المركبة لقطاع الطاقة المتجددة في العالم بمقدار 176 جيغاواط ، أي أقل بقليل من 179 جيغاواط الموافقة لعام 2018، حسب الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
– تطورت الطاقات المتجددة بنسبة 7.6٪ العام الماضي، وسيطرت آسيا على هذا النمو بحيث أنجزت 54٪ من إجمالي المنشآت الجديدة.
– في عام 2019، ساهمت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بنسبة 90٪ من إجمالي الطاقة المتجددة.
– استحوذت الطاقات المتجددة على 70٪ على الأقل من المنشآت الجديدة في جميع المناطق تقريبًا في 2019، باستثناء إفريقيا والشرق الأوسط، حيث بلغت حصة كل منهما 52٪ و 26٪ من صافي الإضافات.
– أدت هذه الإضافات إلى رفع حصة مصادر الطاقة المتجددة في إجمالي سعة الطاقة العالمية إلى 34.7٪، مقابل 33.3٪ في نهاية 2018.
– في عام 2019، مثلت الطاقة الشمسية إضافة 98 جيغاواط، 60٪ منها في آسيا.
– وفرت طاقة الرياح 60 جيغاواط إضافية. وتتصدر هذا النمو كل من الصين (26 جيغاواط) والولايات المتحدة (9 جيغاواط).
اليوم، تنتج هاتان التكنولوجيتان 623 جيغاواط و 586 جيغاواط على التوالي، أي ما يقرب من نصف السعة المتجددة في العالم.
– شهدت الطاقة الكهرومائية والطاقة الحيوية والطاقة الحرارية الأرضية والطاقة البحرية توسعًا معتدلاً منذ العام الماضي، بـ 12 جيغاواط و 6 جيغاواط و 700 ميغاواط و 500 ميغاواط على التوالي.
« مراد الوضاح، مدير عام شركة « إيريس جي سي » للصناعة: « غياب الرؤية والأهداف يغذي الشكوك

مراد الوضاح خبير في الطاقة، أسس شركته الخاصة في عام 2008 ، تختص في عقود الهندسة والتموين والبناء في مجال الطاقة المتجددة. وهو رئيس مديرها العام. « تملك إيريس جي سي للصناعة قدرات هندسية داخلية لإنتاج وبيع الكهرباء من أصولها الخاصة للسوق الجزائري ». وتركز المؤسسة « على تطوير الهندسة المحلية في علاقاتها مع شركائها ». في هذا الحوار، يؤكد أن « غياب الآليات الفعالة التي تضمن تحولا طاقويا قد حجب المتعاملين عن الظهور في الساحة ». وعلى حد قوله « لا يوجد سوق للطاقة المتجددة في الجزائر ».
ليبرتي: ما هي نظرتكم للطاقة المتجددة في الجزائر؟
مراد الوضاح: هناك جانبان متناقضان يميزان الطاقة المتجددة في الجزائر: القدرات من ناحية، والوسائل المستخدمة لاستغلالها. فالجزائر تملك ثروة كبيرة مختلطة تهيمن عليها الطاقة الشمسية، فضلاً عن المساحة الشاسعة. من بين هذه الثروات، توجد تلك الثروة الشمسية أساسا في جنوب البلاد. ومع ذلك، فإن استغلالها لا يزال ضعيفا بسبب التهاون في اتخاذ القرار وعدم وجود التزام سياسي. أود أن أشير إلى أنه تاريخيًا، لم يدرك صناع القرار في بلدنا بالحاجة إلى التحول إلى الطاقة المتجددة إلا في وقت متأخر جدا، لسبب مرتبط بكون أن الجزائر تملك موارد أحفورية. بمعنى آخر، لم تبدأ الدولة في الاهتمام بها إلا بعد أن استشعرت خطر استنفاد مواردها من النفط والغاز، في حين كان العالم يتقدّم وما زال يتثدّم في مجال الطاقة المتجددة. ففي سنة 2019 وحدها، تم تركيب 176 جيغاواط من الطاقة المتجددة حول العالم، وفقًا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
في الجزائر، صدر أول إعلان رسمي يتعلق بتطوير الطاقات المتجددة في عام 2010. وتضاعفت الإعلانات منذ ذلك الحين، دون أن تتبعها إجراءات عملية. تم تركيب سعة تراكمية تبلغ 350 ميغاواط فقط من قبل SKTM، إحدى الشركات التابعة لسونلغاز. بالقياس، تمثل 350 ميغاواط 0.19٪ مقارنة بالإنتاج العالمي في عام 2019 وحده، وهي نسبة ضئيلة. وفيما يخص بالأطراف التي يجب أن تتدخل في الطاقة المتجددة، يجب أن أقول إن هناك ازدواجية بين العام والخاص. أعتقد أن هذا مشكل هام، لكن من السهل إيجاد حل له إذا توفرت الإرادة لدى صناع القرار في مجال الطاقة. لكن إلى حد الآن، لم يتم حل المشكلة. رغم أن القانون الجزائري فتح مجال إنتاج الطاقة المتجددة للمنافسة، إلا أن هذه المنافسة منعدمة. في مجال مصادر الطاقة المتجددة، مع أن التجربة العالمية أثبتت أن المتعاملين المستقلين هم محركات تطوير الطاقة المتجددة.
ما هي، في تقديركم، أكثر العراقيل إعاقة لتطوير الطاقات المتجددة في الجزائر؟
يعتبر احتكار سونلغاز لسوق الطاقة الوطنية أول عقبة أمام تطوير مصادر الطاقة المتجددة. العقبة الثانية هي السعر المطبق في مجال توزيع الغاز والكهرباء، وهو سعر لا يتناسب مع سعر الإنتاج الفعلي. يضاف إلى ذلك الافتقار إلى الآليات الفعالة التي تضمن التحول الطاقوي. لأن هذا حجب المتعاملين من البروز في الساحة. وهؤلاء لا يمكنهم الاستثمار في مثل هذه البيئة. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد شيء اسمه سوق للطاقات المتجددة. وبالطبع، إذا لم يوجد سوق لا توجد استثمارات. أقول مرة أخرى إن النوايا موجودة، والإمكانيات موجودة أيضًا. لكن الافتقار إلى رؤية واضحة وأهداف محددة وعملية، فضلاً عن إجراءات ملموسة، كل ذلك يغذي الشكوك.
كثرة التصريحات والإعلانات دون تنفيذ أضعف مصداقية الهيئات المكلفة بتطوير الطاقات المتجددة في الجزائر. نتذكر أنه في عام 2014، أعلن المسؤولون في ذلك الوقت أن الدولة تخطط للوصول إلى 22000 ميغاواط من السعة المركبة بحلول عام 2030. بعد ذلك بعامين (في 2016) ، انخفض هذا الرقم إلى 4050 ميغاواط، قبل أن ينخفض أكثر إلى 4000 ميغاواط في بداية 2020. كل هذه الإعلانات لم تعدوا مجرد إعلان نوايا. هذا الأسلوب لا يشجع على ظهور سوق حقيقي للطاقات المتجددة.
ميزت العديد من البلدان قطاعين: كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة ، مع قطاعين فرعيين هما الرياح والطاقة الكهروضوئية. وقد سمح ذلك بالتقليص من الحصة الأحفورية للكهرباء في المزيج الطاقوي. هل الجزائر في وضع يسمح لها بفعل نفس الشيء؟
هذان القطاعان ليسا متعارضين. بالعكس، لابد من العمل عل كليهما. بدأت الجزائر في التحكم في الطاقة، لاسيما من خلال إصدار قانون التحكم في الطاقة عام 1999. وفي 2010، أعلنت عن ترقية الطاقات المتجددة وإدخالها في مزيج الطاقة الوطني. ومع ذلك، وكما نلاحظ، فإن النتيجة لم ترق إلى مستوى التطلعات. تعد كفاءة الطاقة مصدرا مهما، بمعنى أنها تسمح بتقليص استهلاك الطاقة والتخفيف من إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتساعد على ضمان أمن الطاقة واقتصاد الأموال.
في حالتنا، ستسمح لنا أيضًا بتوفير المزيد من الغاز عند التصدير. يشكل هذان الجانبان وحدهما ركيزة التحول الطاقوي الذي يجب علينا أن ننجزه بنجاح بأي ثمن. وفي هذا السياق، لا بد من الترحيب بمبادرة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لإنشاء وزارة التحول الطاقوي والطاقات المتجددة، التي تشكل خطوة نحو تحقيق الانسجام الضروري لسياسة الطاقة. من المهم الآن أن نضيف إلى هذا المسعى الحكومي رؤية وورقة عملية، مع توفير وسائل التنفيذ. كما يتعين على جميع الأطراف المعنية بتنظيم نفسها للعمل معًا. ولابد من رسم خطة ومتابعتها مع تقييم منتظم لفعالية هذه الإجراءات.
ما هي في رأيكم الأولويات في مجال الطاقة المتجددة؟
في رأيي، يجب أن نبدأ باتخاذ إجراءات ملموسة وقابلة للتطبيق. منها: التشجيع المستمر للنظام خارج الشبكة الذي يسمح بالوصول إلى مناطق الظل والأقاليم الزراعية وتقليل الضغط على شبكة الكهرباء وبالتالي تحسين خدمة الطاقة. وهذا سيخلق عددًا كبيرًا من الأنشطة التي تولد ثروة ومناصب شغل، ويحسن الإطار التنظيمي لدعم إنشاء مؤسسات وتزويدها بسوق حقيقي،ويسمح بإطلاق برنامج عملي على مدى سنوات لمحطات الطاقة المتجددة المتصلة بالشبكة، ويساعد على ظهور متعاملين وطنيين في إنتاج الكهرباء المتجددة. هناك أيضًا الحاجة إلى وضع إطار قانوني محفز وفعال لإنشاء مؤسسات وشركات ناشئة يشمل التمويل والهندسة والتموين والبناء، فضلاً عن الاستغلال والصيانة.
وماذا عن ديزيرتيك، هذا المشروع الذي يعود إلى سنوات، هل يجب دفنه؟
لم يعد « ديزيرتيك » مشروعا بحد ذاته. أنا أفضل الحديث عن مبادرة، كما يسميها أصلا المبادرون به. المشروع الذي تم الإعلان عنه في 2009 انحرف عن مهمته الأولية. في البداية، كان مشروعًا لإنتاج الكهرباء المتجددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بهدف تصدير جزء كبير من هذه الطاقة إلى بلدان جنوب أوروبا. في غضون ذلك، أصدر الاتحاد الأوروبي تعليمة تفرض على الأوروبيين شراء الكهرباء المتجددة من خارج أوروبا، بشرط نقلها إلى حدودها. وهذا شرط صحيح الالتزام، لأن الترابطات الكهربائية بين المناطق تتطلب استثمارات جد ضخمة.
بالإضافة إلى ذلك، تضررت الفكرة الأصلية من تداعيات تطور اقتصاد الاتحاد الأوروبي: فقد أدى الانخفاض في الطلب على الطاقة والتطور الكبير في القدرات المتجددة في أوروبا إلى إعادة توجيه الاتحاد الأوروبي نحو تأمين إمداداته. ومن هنا، سيكون لم يعد لمشروع ديزيرتيك أي مبرر للوجود. أما الطبعة الحالية من المبادرة فهي عبارة عن منصة تبادل وميسّر للسوق يضم متعاملين عالميين. وبالتالي، فهو أشبه بمبادرات الاستشارة والدراسة الأخرى.
أعد الملف والحوارات: يوسف سلامي
ترجمة: م. عاشوري
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.
