في هذا الحوار الذي خص به « ليبرتي »، يكشف الكاتب الجزائر الأشهر في العالم عن انطباعاته حول ما يجري اليوم بسبب الوباء الذي شل الكرة الأرضية، ويعتبر ذلك نوعا من العقاب أو آخر إنذار. « إذا لم نتعقل، فإن الطبيعة ستمحو أثر الجنس البشري ». أما عن بلده، فيقول أن « الجزائر ستكون كبيرة أو لن تكون ». كما تعرج الحديث على مو اضيع شتى، وعلى شنوات حكم بوتفليقة ونظامه الذي « لم يدمر فقط البلد، بل خرّب العقول وأفسد الضمائر وحتى الزوايا ». ويختم بحديثه عن الفنان إيدير الذي رحل عنّا هذا الأسبوع.

كيف يقضي ياسمينة خضرة الحجر العام الذي فرضته الأزمة الصحية؟ هل يحس به كحبس أم كاعتكاف؟

ياسمينة خضرة: الكاتب هو بطبيعته إنسان معتكف. مثله مثل الرسام أو الملحن. كثيرا ما أقضي ساعات طويلة معتصما في المنزل، أتصارع مع بنص. وأنا بالأحرى « بيتوتي » منذ مجيئي إلى باريس. ربما بسبب الجو الرمادي والضغط المعدي للمدينة. ولكن عندما يصبح الحجر مفروضا، فإن الحبس يحل محل الاعتكاف والخلوة. وهذا ما أحس به على الأقل كل يوم منذ ظهور الوباء. في البداية، تعاملت مع الوضع بنوع من اللامبالاة. اعتقدت أنه بإمكاني أن أتحكم فيه. ثم بدأت أشعر بالاختناق. لم تعد الأمور كما هي، كل شيء تغيّر، حتى العادات الصغيرة. ومن الصعب تحمل ذلك. في السابق، عندما أغوص في عمل روائي ما، كنت أسمح لي نفسي بفترات راحة، والخروج لاحتساء قهوة إسبرسو في المقهى القريب، وشراء الجريدة والتجول قليلا، لأمدد ساقيّ وأشم الهواء. إلا أن الوباء حرّمني من هذه الحريات الصغيرة والمهمة جدا لتوازني وتجديد إلهامي. فانطلاقا من هذا « التعسف » تتعقد الأمور. يعترينا القلق، ونتساءل متى سينقشع عنّا الضباب وندرك إلى أي مدى كل شيء تغيّر في حياتنا دون وجود أدنى احتمال للإجابة في الأفق. الأمر صعب، لكن يجب علينا أن نتعامل معه. لأننا نحن من أردنا ذلك. هذا الوباء تحذير دامغ لنا جميعا. الطبيعة قررت اعتقال البشرية، من غير أن تحدد موعد الإفراج. تكمم أفواهنا حتى تسمع صوتها هي. فنادرا ما كانت السماء صافية بهذا الصفاء، والبحر سعيدا بالرجوع إلى حيواناته، والغابات هادئة ومطمئنة كل هذا الهدوء والاطمئنان.

هل يؤدي الحبس الجسدي إلى حبس العقول والأفكار، أم بالعكس، يؤدي إلى تحرير الأفكار؟

في كل الأحوال، يدعو للتفكير والتأمل. للتفكير والتأمل بجدية كبيرة. أراه كنوع من إيقاف صورة يضعنا وجها لوجه مع سيئاتنا. ولقد جاء هذا الوباء في الوقت المناسب. في السنوات الأخيرة، لاحظنا تشارعا في وتيرة الانحرافات التي ترتكبها البشرية. حروب تولّد حروبا، وكل أشكال التطرف طفت إلى السطح، والأزمات الاقتصادية تزعزع استقرار الأمم، فأصبح الإنسان لا يعرف إلى أين هو سائر. وأصبح الربح يبيح كل الجرائم، من إزالة الغابات والفساد التلوث والمؤامرات والإبادات الجماعية والاستبداد والسباق نحو التسلح النووي. حتى السماء تبدو كأنها مفرغة للنفايات مع كل هذه الأقمار الصناعية التي تخترق حميميتنا، وتقتفي أثرنا مثل التعويذات. فحتمًا، كان لابد من شيء يصفعنا لنصحو من غفلتنا. آن الأوان لنأخذ قسطا من الراحة لمراجعة أوراقنا. وبما أنه لم تجرؤ أي حكمة على الصراخ في وجهنا: « كفى »، فقد فعلها فيروس لا يُرى بالعين المجردة. وهنا نحن محاصرون في شققنا، مثل الجرابيع المفزوعة في أعماق جحورها. أجد هذا العقاب مستحقا. حسبنا أنفسنا آلهة منيعة، بدون أخلاق ودون رادع، مليئين بالوقاحة والغرور، نعذّب في الأرض التي تغذينا ونلوّث المحيطات، غير مبالٍين بالكارثة التي نورثها لأجيال الغد. لكن، « السيد كورونا فيروس » غير موافق. كان كافياً أن تهرب جرثومة من مختبر لكي تدرك البشرية حجمها الحقيقي.

تحوّل الفن والأدب إلى ملاذ لملايين الأشخاص في فترة الحجر هذه. هل يمكن للثقافة أن تكون علاجًا لجو الرعب السائد في العالم؟

آمل ألاّ تصبح الثقافة مجرّد مسكن. لأن العالم يبدو لي انتحاريا ويلقي بنفسه لى التهلكة… نعم، في مثل هذه الظروف والأجواء، يمكن للثقافة أن تنقذ أرواحنا وتوجهنا نحو آفاق آمنة. لكن ما هي مكانة الثقافة في بلادنا؟ مجرد طقطقات فولكلورية، لكن في البلدان الأخرى، الثقافة ضرورة مطلقة. السينما والمسرح والموسيقى والكتب هي الأسس الحقيقية للتحرر والتقدم. في بلادنا، ليست سوى أكسسوارات لمصائبنا. كيف يمكننا المشاركة في تحرير الذهنيات في العالم إذا كنّا غير قاجرين على تطهير عقولنا؟ إذا أردنا أن تكون لنا مكانة لائقة في ركب الأمم، علينا أن ندفع الثمن، وهذا يعني أن نقدم للعالم أفضل ما لدينا. الثقافة وحدها كفيلة بالارتقاء بنا، أكثر من التكنولوجيا والعلوم (غير البريئة دائمًا).

ماذا يكشف لنا هذا الوباء؟ ماذا تظهره لنا عن إنسانيتنا؟

ضحالتنا وإفلاس غُلونا وضعفنا المرعب. وبالأخص إدراكنا بأننا نحن سبب خرابنا، بعدما ولّينا مصيرنا لقوانين السوق والتلاعبات الشيطانية للقوى المالية الدولية.

وماذا يمكن استخلاصه من هذه المأساة؟

أنه من الضروري الاستثمار في الإنسان، بدلاً من إقصائه، مثلما فعلت القوى المالية. نتذكر كلنا الأمل العظيم لمّا بنينا الكوكب كبيت مشترك. كان مشروعا رائعا. لكن لم يمض وقت طويل حتى شعرنا بخيبة أمل لأن الشعار كان جميلاً ومضللاً مثل الوعود الانتخابية. الكوكب، وطننا جميعا! اعتقدنا أن الإنسان سيكون مركزه وقلبه وروحه، وأن مشاريع المجتمع ستستلهم من تطلعات المواطن، وأن كل شيء سوف يُكيّف مع الإنسان. لكن للأسف، العالم سلك اتجاها مخالفا، لأنه واثق من قدرته على الاستغناء عن الإنسان لكونه يمتلك الأداة الرئيسية لجميع التحولات والثورات، وهي المال! دائما المال. دائما السعي الحثيث لتحقيق الربح الأوفر ونيل الحصة الكبرى والنجاح في أكبر صفقة. إذا كان العلم بلا ضمير خراب للروح، فإن الثراء الفاحش هو إفلاس للروح. أردنا الاعتماد على الربح بإقصاء الإنسان. وفي النتيجة، نتسابق لدفع آلاف المليارات من الدولارات لمحاولة إصلاح ما أفسده فيروس بائس. لو كنا قد استثمرنا في الإنسان، بدلاً من منح الأولوية لسوق الأسهم، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه ونحن نحاول إنقاذ ما تبقى لنا من حكمة وعقل.

أليس هذا الفيروس التاجي الذي شلّ المعمورة بأكملها تقريبا مؤشر على فشل حضارة قائمة على النزعة الاستهلاكية والجشع المادي؟

بلا شك. أنا أرى في هذا الوباء رسالة كونية واضحة. تقول لنا الطبيعة: « ذهبتم بعيدا جدا. رغم الأضواء الحمراء، أبيتم التمهّل، فتحملوا العاقبة الآن. وسوف لن أرحكم ». فأي حضارة، عندما لا تحترم شيئا، مآلها الانحطاط. وجاءت الحصيلة فوق المعقول. في الحقيقة، تجاوزاتنا هي التي تجاوزت المعقول. يكفي أن نقيس الأضرار التي نلحقها بالبيئة وحجم الكوارث التي تسببها الحروب والنزوح الجماعي لنجلد أنفسنا حتى الموت. لقد فشلنا في اختياراتنا، وفشلنا في واجباتنا تجاه أبنائنا، وفشلنا في الوفاء بالعهود التي قطعناها للذين ضحوا بأرواحهم حتى نعيش في حياة أرحم من حياتهم. إن العقاب المسلط علينا بهذا الوباء ه إنذار. إذا رفضنا التعقل، ستقوم الطبيعة الأم بمحو الجنس البشري من على وجه الأرض حتى يعود الهدوء إلى كوكبنا وتعود كما كانت جنة عدن معلقة لم نكن نستحقها.

السياسيون في كل أنحاء العالم أصيبوا بالذعر ويجمعون على ضرورة تغيير الوضع القائم. هل تصدّقون كلامهم؟

رجال السياسية هم مجرد باعة متجولين. يخضعون لقوانين السوق، ويؤمنون بأن تنمية البلد تقوم على الاقتصاد وليس على عبقريته. بدليل، أنهم في كل وقت يقومون بحسابات وإحصائيات تافهة للتلاعب بالرأي العام كما يحلو لهم. فالسياسي يمقت العبقرية لأنها لا تتوافق مع تدجين الجماهير، الذي يعد الضمانة الوحيدة للحفاظ على الحكم أطول مدة، سواء كان هذا الحكم ديمقراطيا أو شموليا. إن تصديق كالم السياسي الذي يكذب على مدار اليوم معناه تمرير الحبل حول الرقبة. أنا أؤمن بالتضامن والتعاون والسعادة العائلية. وما زلت مقتنعاً بأن التغيير لا يمكن أن يأتي إلا من الشعوب المستنيرة والحرة.

أمام هذه الكارثة، وجدنا أن الأطباء والممرضات هم الموجودين على خط المواجهة لمحاربة الموت معرّضين حياتهم للخطر. ما هو إحساسكم؟

أحس بالغضب وبالحزن. الكثير من أبطال الصحة كانوا أولة ضحايا الوباء. لأنهم لم يستطيعوا حماية أنفسهم في الوقت الذي كانوا يحاولون إنقاذ مرضاهم. موقف عبثي حقا. من ناحية أخرى، فهذا يكشف عن إدارة كارثية للمجتمع بأكمله لسنوات. حتى في البلدان الغنية والمتقدمة جدا. فلُعبة السياسي المظلمة قادت بالمجتمعات إلى هذا الليل. انظروا إلى فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، فهي لا تعرف كيف تتصرف. في بلدنا، عندما تغلق المساجد ، يتجمع المصلون فوق أسطح العمارات. أليس هذا أمرا عجيبا؟ الدول المنضبطة ستخرج بأقل الأضرار الممكنة. أما الدول المستهترة، فستكون خسائرها شديدة للغاية. من ناحية أخرى، فيما يتعلق بإدارة الأزمة، لا تزال ينقصنا الكثير من الشجاعة للخروج من تحت الأنقاض، يجب علينا أولاً التخلص من هذه العقلية الغريبة التي تتمثل في حل مشاكلنا بإنكار وجودها. أصبح الأمر روتين: « ماشي مشكل، رانا متجندين. ماشي مشكل، الموضوع تحلّ. ماشي مشكل، راني متكفل. « إلى متى ستستمر هذه الأسطوانة؟ لا يمكن لأمة أن تطلّع إلى التحرر إذا لم تجرؤ على مواجهة الأمور بجدية. فالخطر لا يمكنك غشه، بل تسهل له المهمة.

عاشت الجزائر فترة مصيرية منذ ثورة 22 فيفري، كيف عشتم هذه الفترة التي شهدت ميلاد جديد للجزائريين؟

عشتها مثل أي جزائري واعي بالمخاطر المحدقة بوطنه وبضرورة مراجعة أوراق نظام موروث من خلفاء القيامة لعقود وزادت من تسميمه عصابة المومياء. نظام عفا عليه الزمن، متعكز ولا طموح له سوى ترويض الشعب وتجديد الحكم. بوتفليقة لم يدمر البلاد فقط، بل دمر الأخلاق والعقول، وأفسد الضمائر والزوايا. كان لدى شعبنا كل الفرص للتحسن بمرور الوقت، على الرغم من العشرية السوداء والافتقار إلى معالم، لكن ذنبه أنه منح ثقته لرجل متعطش للسلطة عديم الضمير وعديم الكفاءة أنزل على بلادنا نكبة معنوية ووطنية لم تعرفها بعد أربعة آلاف سنة من الاحتلال.

ما هي المعاني التاريخية التي يمكن أن نعطيها لصحوة الضمير هذه؟

معاني الحكمة والحرية وبالكرامة. إذا كنا لا نريد أن ننقرض مع رماد العهود التي قطعناها لشهدائنا أمس واليوم، يجب علينا أن نرفع رؤوسنا ونمضي قدما في مواجهة كل التحديات. والجزائر تستحق كل التضحيات. لقد عانت كثيرا ولها الحق في الاحترام والاعتبار الذي يستحقه كل جزائري، سواء كان حاكما أو محكوما، فقيرا أو غنيا، متعلمًا أو أميّا، لأننا لا نملك حضنا نأوي إليه غير حضن الوطن الأم. أنا من الذين يؤمنون بأن هناك جمهورية جديدة، نظيفة وعادلة آتية. ومهما كان، ليس لدينا خيار آخر. العالم لا يرحم الضعيف. انظروا إلى ماذا تحوّل العالم. إلى غابة. إنها نهاية الدبلوماسية وعودة حكم الذكر المهيمن. عندما يوضع مصير الكوكب والجنس البشري بين إنسان بهلوان مثل ترامب، علينا أن نتوقع الأسوأ في أي لحظة. إذا لم تتعافى بلادنا من نقاهتها الزائفة، فسوف تختفي مثل سحابة دخان. خدم اليوم سيتحولون إلى عبيد الغد. ومع ذلك، كبرياؤنا يدفعنا لرفع التحديات ورفض المصير الذي يحاول غيرنا فرضه علينا. الجزائر ستكون كبيرة أو لن تكون. وفي رأيي إن الجزائر كانت دائماً كبيرة وستعود إلىمجدها. هذا هو العهد الذي أقسمنا به لموتانا وأبنائنا.

خلال هذه الفترة الاستثنائية، فقدت الجزائر أحد أشهر أبنائها، المطرب إيدير. هذا الفقد آلمكم كثيرا. ماذا يمثل إيدير عندكم؟

إيدير يمثب كل ما تنادي به الجزائر بأعلى صوت: الاعتزاز بالوجود. كان صوتًا لا تزال أصداءه تتردد في كل أرجاء العالم. كانت ميزته أنه يتقن الفن الوحيد الذي تحسد عليه الطبيعة البشر: الموسيقى. يؤسفني فقط أنني لم أكن أعرفه جيدًا لأربط معه صداقة وأقيم معه مشاريع. نعيته على صفحتي في الفيسبوك في اللحظة التي أخبرتني زوجتي بوفاته. كان إنسانا طيبا وموهبة عظيمة، هو في حد ذاته تراث. فليرقد بسلام. كل الحروب عنده انتهت الآن.

ليبرتي ترجمة: م. عاشوري

في هذا الحوار الذي خص به « ليبرتي »، يكشف الكاتب الجزائر الأشهر في العالم عن انطباعاته حول ما يجري اليوم بسبب الوباء الذي شل الكرة الأرضية، ويعتبر ذلك نوعا من العقاب أو آخر إنذار. « إذا لم نتعقل، فإن الطبيعة ستمحو أثر الجنس البشري ». أما عن بلده، فيقول أن « الجزائر ستكون كبيرة أو لن تكون ». كما تعرج الحديث على مو اضيع شتى، وعلى شنوات حكم بوتفليقة ونظامه الذي « لم يدمر فقط البلد، بل خرّب العقول وأفسد الضمائر وحتى الزوايا ». ويختم بحديثه عن الفنان إيدير الذي رحل عنّا هذا الأسبوع.

كيف يقضي ياسمينة خضرة الحجر العام الذي فرضته الأزمة الصحية؟ هل يحس به كحبس أم كاعتكاف؟

ياسمينة خضرة: الكاتب هو بطبيعته إنسان معتكف. مثله مثل الرسام أو الملحن. كثيرا ما أقضي ساعات طويلة معتصما في المنزل، أتصارع مع بنص. وأنا بالأحرى « بيتوتي » منذ مجيئي إلى باريس. ربما بسبب الجو الرمادي والضغط المعدي للمدينة. ولكن عندما يصبح الحجر مفروضا، فإن الحبس يحل محل الاعتكاف والخلوة. وهذا ما أحس به على الأقل كل يوم منذ ظهور الوباء. في البداية، تعاملت مع الوضع بنوع من اللامبالاة. اعتقدت أنه بإمكاني أن أتحكم فيه. ثم بدأت أشعر بالاختناق. لم تعد الأمور كما هي، كل شيء تغيّر، حتى العادات الصغيرة. ومن الصعب تحمل ذلك. في السابق، عندما أغوص في عمل روائي ما، كنت أسمح لي نفسي بفترات راحة، والخروج لاحتساء قهوة إسبرسو في المقهى القريب، وشراء الجريدة والتجول قليلا، لأمدد ساقيّ وأشم الهواء. إلا أن الوباء حرّمني من هذه الحريات الصغيرة والمهمة جدا لتوازني وتجديد إلهامي. فانطلاقا من هذا « التعسف » تتعقد الأمور. يعترينا القلق، ونتساءل متى سينقشع عنّا الضباب وندرك إلى أي مدى كل شيء تغيّر في حياتنا دون وجود أدنى احتمال للإجابة في الأفق. الأمر صعب، لكن يجب علينا أن نتعامل معه. لأننا نحن من أردنا ذلك. هذا الوباء تحذير دامغ لنا جميعا. الطبيعة قررت اعتقال البشرية، من غير أن تحدد موعد الإفراج. تكمم أفواهنا حتى تسمع صوتها هي. فنادرا ما كانت السماء صافية بهذا الصفاء، والبحر سعيدا بالرجوع إلى حيواناته، والغابات هادئة ومطمئنة كل هذا الهدوء والاطمئنان.

هل يؤدي الحبس الجسدي إلى حبس العقول والأفكار، أم بالعكس، يؤدي إلى تحرير الأفكار؟

في كل الأحوال، يدعو للتفكير والتأمل. للتفكير والتأمل بجدية كبيرة. أراه كنوع من إيقاف صورة يضعنا وجها لوجه مع سيئاتنا. ولقد جاء هذا الوباء في الوقت المناسب. في السنوات الأخيرة، لاحظنا تشارعا في وتيرة الانحرافات التي ترتكبها البشرية. حروب تولّد حروبا، وكل أشكال التطرف طفت إلى السطح، والأزمات الاقتصادية تزعزع استقرار الأمم، فأصبح الإنسان لا يعرف إلى أين هو سائر. وأصبح الربح يبيح كل الجرائم، من إزالة الغابات والفساد التلوث والمؤامرات والإبادات الجماعية والاستبداد والسباق نحو التسلح النووي. حتى السماء تبدو كأنها مفرغة للنفايات مع كل هذه الأقمار الصناعية التي تخترق حميميتنا، وتقتفي أثرنا مثل التعويذات. فحتمًا، كان لابد من شيء يصفعنا لنصحو من غفلتنا. آن الأوان لنأخذ قسطا من الراحة لمراجعة أوراقنا. وبما أنه لم تجرؤ أي حكمة على الصراخ في وجهنا: « كفى »، فقد فعلها فيروس لا يُرى بالعين المجردة. وهنا نحن محاصرون في شققنا، مثل الجرابيع المفزوعة في أعماق جحورها. أجد هذا العقاب مستحقا. حسبنا أنفسنا آلهة منيعة، بدون أخلاق ودون رادع، مليئين بالوقاحة والغرور، نعذّب في الأرض التي تغذينا ونلوّث المحيطات، غير مبالٍين بالكارثة التي نورثها لأجيال الغد. لكن، « السيد كورونا فيروس » غير موافق. كان كافياً أن تهرب جرثومة من مختبر لكي تدرك البشرية حجمها الحقيقي.

تحوّل الفن والأدب إلى ملاذ لملايين الأشخاص في فترة الحجر هذه. هل يمكن للثقافة أن تكون علاجًا لجو الرعب السائد في العالم؟

آمل ألاّ تصبح الثقافة مجرّد مسكن. لأن العالم يبدو لي انتحاريا ويلقي بنفسه لى التهلكة… نعم، في مثل هذه الظروف والأجواء، يمكن للثقافة أن تنقذ أرواحنا وتوجهنا نحو آفاق آمنة. لكن ما هي مكانة الثقافة في بلادنا؟ مجرد طقطقات فولكلورية، لكن في البلدان الأخرى، الثقافة ضرورة مطلقة. السينما والمسرح والموسيقى والكتب هي الأسس الحقيقية للتحرر والتقدم. في بلادنا، ليست سوى أكسسوارات لمصائبنا. كيف يمكننا المشاركة في تحرير الذهنيات في العالم إذا كنّا غير قاجرين على تطهير عقولنا؟ إذا أردنا أن تكون لنا مكانة لائقة في ركب الأمم، علينا أن ندفع الثمن، وهذا يعني أن نقدم للعالم أفضل ما لدينا. الثقافة وحدها كفيلة بالارتقاء بنا، أكثر من التكنولوجيا والعلوم (غير البريئة دائمًا).

ماذا يكشف لنا هذا الوباء؟ ماذا تظهره لنا عن إنسانيتنا؟

ضحالتنا وإفلاس غُلونا وضعفنا المرعب. وبالأخص إدراكنا بأننا نحن سبب خرابنا، بعدما ولّينا مصيرنا لقوانين السوق والتلاعبات الشيطانية للقوى المالية الدولية.

وماذا يمكن استخلاصه من هذه المأساة؟

أنه من الضروري الاستثمار في الإنسان، بدلاً من إقصائه، مثلما فعلت القوى المالية. نتذكر كلنا الأمل العظيم لمّا بنينا الكوكب كبيت مشترك. كان مشروعا رائعا. لكن لم يمض وقت طويل حتى شعرنا بخيبة أمل لأن الشعار كان جميلاً ومضللاً مثل الوعود الانتخابية. الكوكب، وطننا جميعا! اعتقدنا أن الإنسان سيكون مركزه وقلبه وروحه، وأن مشاريع المجتمع ستستلهم من تطلعات المواطن، وأن كل شيء سوف يُكيّف مع الإنسان. لكن للأسف، العالم سلك اتجاها مخالفا، لأنه واثق من قدرته على الاستغناء عن الإنسان لكونه يمتلك الأداة الرئيسية لجميع التحولات والثورات، وهي المال! دائما المال. دائما السعي الحثيث لتحقيق الربح الأوفر ونيل الحصة الكبرى والنجاح في أكبر صفقة. إذا كان العلم بلا ضمير خراب للروح، فإن الثراء الفاحش هو إفلاس للروح. أردنا الاعتماد على الربح بإقصاء الإنسان. وفي النتيجة، نتسابق لدفع آلاف المليارات من الدولارات لمحاولة إصلاح ما أفسده فيروس بائس. لو كنا قد استثمرنا في الإنسان، بدلاً من منح الأولوية لسوق الأسهم، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه ونحن نحاول إنقاذ ما تبقى لنا من حكمة وعقل.

أليس هذا الفيروس التاجي الذي شلّ المعمورة بأكملها تقريبا مؤشر على فشل حضارة قائمة على النزعة الاستهلاكية والجشع المادي؟

بلا شك. أنا أرى في هذا الوباء رسالة كونية واضحة. تقول لنا الطبيعة: « ذهبتم بعيدا جدا. رغم الأضواء الحمراء، أبيتم التمهّل، فتحملوا العاقبة الآن. وسوف لن أرحكم ». فأي حضارة، عندما لا تحترم شيئا، مآلها الانحطاط. وجاءت الحصيلة فوق المعقول. في الحقيقة، تجاوزاتنا هي التي تجاوزت المعقول. يكفي أن نقيس الأضرار التي نلحقها بالبيئة وحجم الكوارث التي تسببها الحروب والنزوح الجماعي لنجلد أنفسنا حتى الموت. لقد فشلنا في اختياراتنا، وفشلنا في واجباتنا تجاه أبنائنا، وفشلنا في الوفاء بالعهود التي قطعناها للذين ضحوا بأرواحهم حتى نعيش في حياة أرحم من حياتهم. إن العقاب المسلط علينا بهذا الوباء ه إنذار. إذا رفضنا التعقل، ستقوم الطبيعة الأم بمحو الجنس البشري من على وجه الأرض حتى يعود الهدوء إلى كوكبنا وتعود كما كانت جنة عدن معلقة لم نكن نستحقها.

السياسيون في كل أنحاء العالم أصيبوا بالذعر ويجمعون على ضرورة تغيير الوضع القائم. هل تصدّقون كلامهم؟

رجال السياسية هم مجرد باعة متجولين. يخضعون لقوانين السوق، ويؤمنون بأن تنمية البلد تقوم على الاقتصاد وليس على عبقريته. بدليل، أنهم في كل وقت يقومون بحسابات وإحصائيات تافهة للتلاعب بالرأي العام كما يحلو لهم. فالسياسي يمقت العبقرية لأنها لا تتوافق مع تدجين الجماهير، الذي يعد الضمانة الوحيدة للحفاظ على الحكم أطول مدة، سواء كان هذا الحكم ديمقراطيا أو شموليا. إن تصديق كالم السياسي الذي يكذب على مدار اليوم معناه تمرير الحبل حول الرقبة. أنا أؤمن بالتضامن والتعاون والسعادة العائلية. وما زلت مقتنعاً بأن التغيير لا يمكن أن يأتي إلا من الشعوب المستنيرة والحرة.

أمام هذه الكارثة، وجدنا أن الأطباء والممرضات هم الموجودين على خط المواجهة لمحاربة الموت معرّضين حياتهم للخطر. ما هو إحساسكم؟

أحس بالغضب وبالحزن. الكثير من أبطال الصحة كانوا أولة ضحايا الوباء. لأنهم لم يستطيعوا حماية أنفسهم في الوقت الذي كانوا يحاولون إنقاذ مرضاهم. موقف عبثي حقا. من ناحية أخرى، فهذا يكشف عن إدارة كارثية للمجتمع بأكمله لسنوات. حتى في البلدان الغنية والمتقدمة جدا. فلُعبة السياسي المظلمة قادت بالمجتمعات إلى هذا الليل. انظروا إلى فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، فهي لا تعرف كيف تتصرف. في بلدنا، عندما تغلق المساجد ، يتجمع المصلون فوق أسطح العمارات. أليس هذا أمرا عجيبا؟ الدول المنضبطة ستخرج بأقل الأضرار الممكنة. أما الدول المستهترة، فستكون خسائرها شديدة للغاية. من ناحية أخرى، فيما يتعلق بإدارة الأزمة، لا تزال ينقصنا الكثير من الشجاعة للخروج من تحت الأنقاض، يجب علينا أولاً التخلص من هذه العقلية الغريبة التي تتمثل في حل مشاكلنا بإنكار وجودها. أصبح الأمر روتين: « ماشي مشكل، رانا متجندين. ماشي مشكل، الموضوع تحلّ. ماشي مشكل، راني متكفل. « إلى متى ستستمر هذه الأسطوانة؟ لا يمكن لأمة أن تطلّع إلى التحرر إذا لم تجرؤ على مواجهة الأمور بجدية. فالخطر لا يمكنك غشه، بل تسهل له المهمة.

عاشت الجزائر فترة مصيرية منذ ثورة 22 فيفري، كيف عشتم هذه الفترة التي شهدت ميلاد جديد للجزائريين؟

عشتها مثل أي جزائري واعي بالمخاطر المحدقة بوطنه وبضرورة مراجعة أوراق نظام موروث من خلفاء القيامة لعقود وزادت من تسميمه عصابة المومياء. نظام عفا عليه الزمن، متعكز ولا طموح له سوى ترويض الشعب وتجديد الحكم. بوتفليقة لم يدمر البلاد فقط، بل دمر الأخلاق والعقول، وأفسد الضمائر والزوايا. كان لدى شعبنا كل الفرص للتحسن بمرور الوقت، على الرغم من العشرية السوداء والافتقار إلى معالم، لكن ذنبه أنه منح ثقته لرجل متعطش للسلطة عديم الضمير وعديم الكفاءة أنزل على بلادنا نكبة معنوية ووطنية لم تعرفها بعد أربعة آلاف سنة من الاحتلال.

ما هي المعاني التاريخية التي يمكن أن نعطيها لصحوة الضمير هذه؟

معاني الحكمة والحرية وبالكرامة. إذا كنا لا نريد أن ننقرض مع رماد العهود التي قطعناها لشهدائنا أمس واليوم، يجب علينا أن نرفع رؤوسنا ونمضي قدما في مواجهة كل التحديات. والجزائر تستحق كل التضحيات. لقد عانت كثيرا ولها الحق في الاحترام والاعتبار الذي يستحقه كل جزائري، سواء كان حاكما أو محكوما، فقيرا أو غنيا، متعلمًا أو أميّا، لأننا لا نملك حضنا نأوي إليه غير حضن الوطن الأم. أنا من الذين يؤمنون بأن هناك جمهورية جديدة، نظيفة وعادلة آتية. ومهما كان، ليس لدينا خيار آخر. العالم لا يرحم الضعيف. انظروا إلى ماذا تحوّل العالم. إلى غابة. إنها نهاية الدبلوماسية وعودة حكم الذكر المهيمن. عندما يوضع مصير الكوكب والجنس البشري بين إنسان بهلوان مثل ترامب، علينا أن نتوقع الأسوأ في أي لحظة. إذا لم تتعافى بلادنا من نقاهتها الزائفة، فسوف تختفي مثل سحابة دخان. خدم اليوم سيتحولون إلى عبيد الغد. ومع ذلك، كبرياؤنا يدفعنا لرفع التحديات ورفض المصير الذي يحاول غيرنا فرضه علينا. الجزائر ستكون كبيرة أو لن تكون. وفي رأيي إن الجزائر كانت دائماً كبيرة وستعود إلىمجدها. هذا هو العهد الذي أقسمنا به لموتانا وأبنائنا.

خلال هذه الفترة الاستثنائية، فقدت الجزائر أحد أشهر أبنائها، المطرب إيدير. هذا الفقد آلمكم كثيرا. ماذا يمثل إيدير عندكم؟

إيدير يمثب كل ما تنادي به الجزائر بأعلى صوت: الاعتزاز بالوجود. كان صوتًا لا تزال أصداءه تتردد في كل أرجاء العالم. كانت ميزته أنه يتقن الفن الوحيد الذي تحسد عليه الطبيعة البشر: الموسيقى. يؤسفني فقط أنني لم أكن أعرفه جيدًا لأربط معه صداقة وأقيم معه مشاريع. نعيته على صفحتي في الفيسبوك في اللحظة التي أخبرتني زوجتي بوفاته. كان إنسانا طيبا وموهبة عظيمة، هو في حد ذاته تراث. فليرقد بسلام. كل الحروب عنده انتهت الآن.

ليبرتي ترجمة: م. عاشوري

Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.