رابح سبع باحث في نظريات العلوم الاجتماعية وأنثروبولوجيا اللغات بجامعة محمد بن أحمد في وهران، ونشرت له العديد من الكتب والدراسات والمقالات والقصص القصيرة، بالإضافة إلى عدة مساهمات في مجلات دولية. وهو مؤسس مجلة « كوفليونس ألجيريا » ويدير حاليًا « مجلة العلوم الاجتماعية ».
ليبرتي: كانت العدالة في صلب الأحداث في الأسابيع الأخيرة مع تزايد اعتقالات المتظاهرين. كيف تنظرون إلى مستوى تجنّد المواطنين حول هذه المسألة؟
رابح سبع: لا يزال مفهوم العدالة إشكالية في الجزائر. بمعنى أن محتواه السيميائي لا يزال مختزلا في جهاز حتى لا نقول في أثاث، لأنها ظلت تحت سيطرة وإيعاز من قوى خارجية. والتقارير الأخيرة بخصوص هذه الاعتقالات مثال حي على ذلك. في باب الواد وسيدي امحمد وعنابة ومستغانم وتلمسان وغيرها، المواطنون الجزائريون يعتبرون هذا التصعيد ظلمًا واستفزازيًا. ومنه جاءت هذه التعهبئة الشعبية غير المسبوقة للمطالبة باستقلال هذا الجهاز.
في الواقع، أغلبية الجزائريين تؤمن بأن هذه « العدالة » غير عادلة في أصلها، أي منذ ميلادها، وخاصة مع مساجين ومعدومي ومنفيي الستينيات. كلهم دفعوا ثمن خروجهم عن الصف. والظاهر أن الأمور لم تتغير.
إن تجنّد المواطنين ضد هذا « اللاعدالة » أظهر إلى سطح الكبت الدفين الذي اختزنه الجزائريون في صدورهم لسنوات طويلة. اليوم، يقولون بأعلى صوتهم، دون عدوانية ودون عنف، لكن بحزم وتصميم، أن كل الانحرافات والإهانات والإساءات التي ارتكبت باسم « العدالة » لم تعد مبررة ولا تقبل أي تبرير. وهذا ما يفسر قوة الإدانة التي تواكب كل اعتقال.
كان هناك في الأول عدد كبير من الاعتقالات التي استهدفت حاملي الراية الأمازيغية. لماذا حصل ذلك حول « حساسية من حساسيات الهوية » وكيف نظر إليها المجتمع؟
الحملة التي طالت حاملي الراية الأمازيغية مجرد ظاهرة طارئة كشفت عن زيف التذرع بالخطر الذي يهدد الوحدة الوطنية. وهي حجة دنيئة تستعمل حسب الظروف والمصالح ورهانات الساعة. من خلال هذه الحملة، أراد مركز صنع القرار الذي نصب نفسه سلطة حاسمة في البلد، أن يختبر رد فعل الجزائريين: هل كان الجزائريين يعترفون لانتمائهم الأمازيغي؟ وجاء الرد قاطعا كالسيف على رقبة المغامرين: « سنخرج بالراية الأمازيغية أو من دونها، وإصرارنا سيبقى نفسه ». في الحقيقة، كل الذين تعاقبوا على السلطة في الجزائر، لم يفهموا شيئا في البعد الفلسفي والثقافي للهوية لسبب بسيط هو أنهم لم يفهموا شيئا في هذه المسألة. لهذا السبب، نجد أن قضية الهوية بمفهومها الواسع تطورت بعيدا هنهم زفي الاتجاهات التي لا يعرفونها.
بعد ذلك امتدت الاعتقالات لتشمل المناضلين والناشطين والمواطنين الأكثر مشاركة في الحراك.
من الواضح أننا أمام عملية تخويف واسعة. ويجب الاعتراف بأنها نجحت إلى حد معين، بدليل أن الكثير من المتظاهرين توقفوا عن حضور المسيرات. لكن هذا لم يؤثر على زخم هذه المسيرات وعزيمة المتظاهرين. كان الهدف من حملة الاعتقالات المستمرة منذ البداية إفشال الحركة وتثبيط عزيمة الحراكيين من خلال سجن الزعماء الحقيقيين أو المفترضين وكل من يمكنه أن يتحول إلى زعيم للحراك. لهذا لم تقتصر على المناضلين والناشطين وعلى الجمعيات البارزة، بحيث تم توقيف مدونين معزولين، وتم القبض على آخرين وأفرج عنهم. بعد ذلك، شملت الحملة المواطنين العاديين الذين عرفوا بحضورهم المتميزة في الحراك.
بعد مرور عشرة، لم تفقد التعبئة وهجها. ما الذي يساعدها على الصمود وما هي التحولات السوسيولوجية التي أفرزها الحراك؟
تسعة أشهر هي مدة الحمل العادية. نتمنى أن تكون الولادة غير عسيرة حتى تولد جزائر جديدة. إن هذه الحركة التي تجري في الجزائر منذ 22 فيفري 2019 كشفت للعالم عن حالة فريدة من نوعها، لكونها راديكالية إلى أقصى حد وسلمية إلى أبعد الحد. لهذا تثير الإعجاب بالقدر الذي تثير تساؤلات. وهي بطبيعة الحالة حركة ثورية بحكم المطالبة بالتغيير الجذري التي تميزها. هذا البعد المزدوج يحدد مفهوم الثورة. ومن الواضح أيضا أننا أمام حالة من انبعاث الوعي المجتمعي بعد فترة من السبات والركود تحت مؤثرات شتى، سياسية واقتصادية وقمعية. وهنا يكمن التحول السوسيولوجي الأول، وهز العامل الأول المساعد على صمود الحركة.
يتظاهر المواطنون الجزائريون معًا في مجتمع تم فيه كل شيء لتقسيمهم حول مسألة الجنس والسن والمعتقد والطبقات الاجتماعية والالتزامات السياسية.
في جميع المسيرات الأسبوعية، يجتمع الإسلاميون والأشخاص العاديون والشيوعيون وأنصار قضية المرأة والوطنيون وما إلى ذلك للمطالبة بنفس الطلب: رحيل النظام. وهذا التآلف والتكاتف علامة نضوج اجتماعي كبير. وهنا يكمن العامل الثاني لصمود الحركة. الجميع متفقون على ضرورة الحفاظ على الطابع السلمي للحركة. على الرغم من كل ذكريات عشرية الدم ـ التي اجتمع فيها العنف الإرهابي وقمع نظام شمولي ـ والتي ما زالت حية في الأذهان. من الواضح أننا وصلنا إلى مرحلة نضج طويلة وليس حدثا طارئا. مرحلة نضج له جذوره في عمق المجتمع الجزائري المضطهد منذ زمن طويل. ويرافق هذا النضج المزدوج بروز حركة تعبير جديدة. الحركة الشعبية تجاوزت إلى حد كبير المطالب التقليدية المنحصرة في الظروف المادية، لتشمل الرغبة في تغيير النظام السياسي.
« ثورة الابتسامة »، يأتي هذا البعد السياسي كنتيجة لنضج الحركات الاجتماعية التي استثمرت تجارب النضال النقابي وغيرها، مع دمج العناصر التي تشكل جزءًا من التقدم الاجتماعي مثل ارتفاع المستوى التعليمي أو تحسين مستوى المعيشة واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي وتعميمها. فإذن سر صمود هذه الحركة هو في الأساس مؤشر على ارتقاء في الوعي المجتمعي الذي صاغ مطالب جديدة وربط المطالب الاجتماعية بالمطالب السياسية على خلفية الدعوة إلى التغيير غير قابلة للتفاوض.
هذا الطلب يتم التعبير عنه في أجواء بهيجة تميز الشعارات المرفوعة في المسيرات. هذا البعد الاحتفالي هو بمثابة واقي ضد العنف. وهذا ما يفسر انضباط المتظاهرين وخلو مسيرات الجمعة والثلاثاء من أي تجاوزات. وهناك، خارج هذين اليومين، شبكات التواصل الاجتماعي التي تساعد على نشر الأخبار على نطاق واسع. وهذا ما لم يكن موجودًا في أكتوبر 1988. وهو ما يفسر أن الآلاف من المتظاهرين يجتمعون كل يوم جمعة وكل يوم ثلاثاء للتعبير الجماعي عن توقعاتهم في تنظيم محكم وفي جو بهيج.
إلى أي مدى ستذهب هذه الحركة الشعبية؟
من الصعب تصنيف واستقراء جميع عواقب هذه الحركة. أبعون أسبوعا من الاحتجاجات والتجمعات لم تتوصل إلى كسر شوكة النظام الذي ازداد تعنتا رغم الأضرار التي تسببها للمجتمع بأسره، ومنها الشلل التام الذي تعاني منه قطاعات حيوية مثل التعليم والعدالة. إن استمرار هذا الصراع ينطوي على مخاطر لأنه لا يخص فقط الطرفين المتصارعين (الشعب والسلطة) بل يشكل خطرا على قطاعات واسعة من المجتمع. والسبب في ذلك هيمنة مصالح الطبقة الحاكمة على مصلحة شعب وأمة بأسرها، واستمرار هذه المواجهة هو أقرب إلى السكيزوفرينيا.
ما هي التداعيات السياسية المتوقعة؟
كل المؤشرات تدل على استمرار هذه الحركة الشعبية. مع أو بدون إجراء الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 12 ديسمبر. في كلتا الحالتين، سوف تستمر الحركة في رفع مطلبها الرئيسي المتمثل في بناء دولة مدنية مع تسليم السلطة إثر فترة انتقالية.
في حالة تحقيق هذا السيناريو، يمكن أن نشهد الانتقال إلى مسؤولية جماعية متعددة الأوجه تعيد توزيع المهام داخل الحراك وتنظيم مناقشات واتخاذ إجراءات عاجلة منبثقة عن الحلقات ومجموعات التفكير. ومن المتوقع أن تظهر أشكال جديدة من التنظيم لأن الأحزاب السياسية التقليدية فقدت كل مصداقيتها. لقد فهم غالبية الجزائريين أنها مجرد تكتلات ومجموعات مصالح قصيرة الأجل تسعى إلى بلوغ أهداف ونيل نصيب من السلطة، وهو ما يفسر عجزها تنظيم الحياة في المجتمع وغيابها التام خارج المناسبات الانتخابية. فهذه المجموعات الكثيرة والمصطنعة ليست نتاج ممارسة سياسية ناجحة ولا تستند إلى قاعدة مجتمعية تضمن بقائها. بمعنى آخر، ليست نتيجة سيرورة اجتماعية وسياسية مثوقة تاريخياً. بل هي صناعة عفوية تخضع للظروف والتحالفات السياسية. منذ مسيرة 22 فيفري والمحتجون يطالبون برحيل كل هذه الأحزاب التي استخدمت كواجهة تعددية للنظام.
تُظهر الأجيال الشابة اليوم عن مشاركة استثنائية في الحراك، وهي التي أبعدت عن الشأن السياسي لمدة طويلة. كيف تفسرون هذا الحضور؟
علّمتنا الأجيال الشابة درسًا عظيما في قراءة المستقبل. فهب لم تعط فقط معنى للسياسة، بتجديدها، وإنما أبرزت مجموعة من الوجوه الجديدة والواعدة. بعضها معروف ويحظى بتزكية الشارع وهناك آخرون في طريق لنيل هذه الحظوة. للأسف، العديد من هذه الرموز موجودة في السجن.
وهذا يؤكد وجود رغبة واضحة في منع ظهور نخبة معارضة في صورة مثقفين أو شخصيات سياسية. والسبب في عدم ظهور مثقفين يعود تاريخياً واجتماعياً إلى حرص السلطات المتعاقبة في الجزائر على وأد أي محاولة لتكوين مثقفين. لدرجة أننا نجد أنفسنا، كما أظهرت ذلك في بعض أعمالي الأكاديمية، أمام مثقفين بدلاء، وهو ما يفسر رداءة رجال السياسية في بلدنا. في الوقت الحاضر، إن تجديد النخبة السياسية الذي تطالب به الحركة الشعبية هو تعبير عن مطلب اجتماعي. ولا علاقة ذلك بتسابق ستين حزبا معتمدا للحصول على فتات من السلطة في كل مناسبة انتخابية والتي لا يؤثر وجودها على حياة المجتمع قط.
إن هذه المطالبة بالقطيعة السياسية لا يعبّرؤ عنه فقط الأجيال الجديدة، التي تشكل العمود الفقري للحركة الشعبية، ولكن أيضًا مختلف الفئات الاجتماعية التي أصبحت في الجزائر فاعلًا سياسيًا لا مفر منه. كما تبيّن إحدى القراءات الأولى في فهم ما وراء المطالبة الجماعية بالرحيل الفوري للنظامد. لهذا بدأت تتبلور في الساحة شيئا فشيئا وجوه جديدة في المسيرات ينظر إليها كمرجعيات. وهذا ما يبشر بميلاد جديد للسياسي الذي طالما كان حكرا على فئة منبوذة.
ليبرتي
ترجمة: م. عاشوري
رابح سبع باحث في نظريات العلوم الاجتماعية وأنثروبولوجيا اللغات بجامعة محمد بن أحمد في وهران، ونشرت له العديد من الكتب والدراسات والمقالات والقصص القصيرة، بالإضافة إلى عدة مساهمات في مجلات دولية. وهو مؤسس مجلة « كوفليونس ألجيريا » ويدير حاليًا « مجلة العلوم الاجتماعية ».
ليبرتي: كانت العدالة في صلب الأحداث في الأسابيع الأخيرة مع تزايد اعتقالات المتظاهرين. كيف تنظرون إلى مستوى تجنّد المواطنين حول هذه المسألة؟
رابح سبع: لا يزال مفهوم العدالة إشكالية في الجزائر. بمعنى أن محتواه السيميائي لا يزال مختزلا في جهاز حتى لا نقول في أثاث، لأنها ظلت تحت سيطرة وإيعاز من قوى خارجية. والتقارير الأخيرة بخصوص هذه الاعتقالات مثال حي على ذلك. في باب الواد وسيدي امحمد وعنابة ومستغانم وتلمسان وغيرها، المواطنون الجزائريون يعتبرون هذا التصعيد ظلمًا واستفزازيًا. ومنه جاءت هذه التعهبئة الشعبية غير المسبوقة للمطالبة باستقلال هذا الجهاز.
في الواقع، أغلبية الجزائريين تؤمن بأن هذه « العدالة » غير عادلة في أصلها، أي منذ ميلادها، وخاصة مع مساجين ومعدومي ومنفيي الستينيات. كلهم دفعوا ثمن خروجهم عن الصف. والظاهر أن الأمور لم تتغير.
إن تجنّد المواطنين ضد هذا « اللاعدالة » أظهر إلى سطح الكبت الدفين الذي اختزنه الجزائريون في صدورهم لسنوات طويلة. اليوم، يقولون بأعلى صوتهم، دون عدوانية ودون عنف، لكن بحزم وتصميم، أن كل الانحرافات والإهانات والإساءات التي ارتكبت باسم « العدالة » لم تعد مبررة ولا تقبل أي تبرير. وهذا ما يفسر قوة الإدانة التي تواكب كل اعتقال.
كان هناك في الأول عدد كبير من الاعتقالات التي استهدفت حاملي الراية الأمازيغية. لماذا حصل ذلك حول « حساسية من حساسيات الهوية » وكيف نظر إليها المجتمع؟
الحملة التي طالت حاملي الراية الأمازيغية مجرد ظاهرة طارئة كشفت عن زيف التذرع بالخطر الذي يهدد الوحدة الوطنية. وهي حجة دنيئة تستعمل حسب الظروف والمصالح ورهانات الساعة. من خلال هذه الحملة، أراد مركز صنع القرار الذي نصب نفسه سلطة حاسمة في البلد، أن يختبر رد فعل الجزائريين: هل كان الجزائريين يعترفون لانتمائهم الأمازيغي؟ وجاء الرد قاطعا كالسيف على رقبة المغامرين: « سنخرج بالراية الأمازيغية أو من دونها، وإصرارنا سيبقى نفسه ». في الحقيقة، كل الذين تعاقبوا على السلطة في الجزائر، لم يفهموا شيئا في البعد الفلسفي والثقافي للهوية لسبب بسيط هو أنهم لم يفهموا شيئا في هذه المسألة. لهذا السبب، نجد أن قضية الهوية بمفهومها الواسع تطورت بعيدا هنهم زفي الاتجاهات التي لا يعرفونها.
بعد ذلك امتدت الاعتقالات لتشمل المناضلين والناشطين والمواطنين الأكثر مشاركة في الحراك.
من الواضح أننا أمام عملية تخويف واسعة. ويجب الاعتراف بأنها نجحت إلى حد معين، بدليل أن الكثير من المتظاهرين توقفوا عن حضور المسيرات. لكن هذا لم يؤثر على زخم هذه المسيرات وعزيمة المتظاهرين. كان الهدف من حملة الاعتقالات المستمرة منذ البداية إفشال الحركة وتثبيط عزيمة الحراكيين من خلال سجن الزعماء الحقيقيين أو المفترضين وكل من يمكنه أن يتحول إلى زعيم للحراك. لهذا لم تقتصر على المناضلين والناشطين وعلى الجمعيات البارزة، بحيث تم توقيف مدونين معزولين، وتم القبض على آخرين وأفرج عنهم. بعد ذلك، شملت الحملة المواطنين العاديين الذين عرفوا بحضورهم المتميزة في الحراك.
بعد مرور عشرة، لم تفقد التعبئة وهجها. ما الذي يساعدها على الصمود وما هي التحولات السوسيولوجية التي أفرزها الحراك؟
تسعة أشهر هي مدة الحمل العادية. نتمنى أن تكون الولادة غير عسيرة حتى تولد جزائر جديدة. إن هذه الحركة التي تجري في الجزائر منذ 22 فيفري 2019 كشفت للعالم عن حالة فريدة من نوعها، لكونها راديكالية إلى أقصى حد وسلمية إلى أبعد الحد. لهذا تثير الإعجاب بالقدر الذي تثير تساؤلات. وهي بطبيعة الحالة حركة ثورية بحكم المطالبة بالتغيير الجذري التي تميزها. هذا البعد المزدوج يحدد مفهوم الثورة. ومن الواضح أيضا أننا أمام حالة من انبعاث الوعي المجتمعي بعد فترة من السبات والركود تحت مؤثرات شتى، سياسية واقتصادية وقمعية. وهنا يكمن التحول السوسيولوجي الأول، وهز العامل الأول المساعد على صمود الحركة.
يتظاهر المواطنون الجزائريون معًا في مجتمع تم فيه كل شيء لتقسيمهم حول مسألة الجنس والسن والمعتقد والطبقات الاجتماعية والالتزامات السياسية.
في جميع المسيرات الأسبوعية، يجتمع الإسلاميون والأشخاص العاديون والشيوعيون وأنصار قضية المرأة والوطنيون وما إلى ذلك للمطالبة بنفس الطلب: رحيل النظام. وهذا التآلف والتكاتف علامة نضوج اجتماعي كبير. وهنا يكمن العامل الثاني لصمود الحركة. الجميع متفقون على ضرورة الحفاظ على الطابع السلمي للحركة. على الرغم من كل ذكريات عشرية الدم ـ التي اجتمع فيها العنف الإرهابي وقمع نظام شمولي ـ والتي ما زالت حية في الأذهان. من الواضح أننا وصلنا إلى مرحلة نضج طويلة وليس حدثا طارئا. مرحلة نضج له جذوره في عمق المجتمع الجزائري المضطهد منذ زمن طويل. ويرافق هذا النضج المزدوج بروز حركة تعبير جديدة. الحركة الشعبية تجاوزت إلى حد كبير المطالب التقليدية المنحصرة في الظروف المادية، لتشمل الرغبة في تغيير النظام السياسي.
« ثورة الابتسامة »، يأتي هذا البعد السياسي كنتيجة لنضج الحركات الاجتماعية التي استثمرت تجارب النضال النقابي وغيرها، مع دمج العناصر التي تشكل جزءًا من التقدم الاجتماعي مثل ارتفاع المستوى التعليمي أو تحسين مستوى المعيشة واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي وتعميمها. فإذن سر صمود هذه الحركة هو في الأساس مؤشر على ارتقاء في الوعي المجتمعي الذي صاغ مطالب جديدة وربط المطالب الاجتماعية بالمطالب السياسية على خلفية الدعوة إلى التغيير غير قابلة للتفاوض.
هذا الطلب يتم التعبير عنه في أجواء بهيجة تميز الشعارات المرفوعة في المسيرات. هذا البعد الاحتفالي هو بمثابة واقي ضد العنف. وهذا ما يفسر انضباط المتظاهرين وخلو مسيرات الجمعة والثلاثاء من أي تجاوزات. وهناك، خارج هذين اليومين، شبكات التواصل الاجتماعي التي تساعد على نشر الأخبار على نطاق واسع. وهذا ما لم يكن موجودًا في أكتوبر 1988. وهو ما يفسر أن الآلاف من المتظاهرين يجتمعون كل يوم جمعة وكل يوم ثلاثاء للتعبير الجماعي عن توقعاتهم في تنظيم محكم وفي جو بهيج.
إلى أي مدى ستذهب هذه الحركة الشعبية؟
من الصعب تصنيف واستقراء جميع عواقب هذه الحركة. أبعون أسبوعا من الاحتجاجات والتجمعات لم تتوصل إلى كسر شوكة النظام الذي ازداد تعنتا رغم الأضرار التي تسببها للمجتمع بأسره، ومنها الشلل التام الذي تعاني منه قطاعات حيوية مثل التعليم والعدالة. إن استمرار هذا الصراع ينطوي على مخاطر لأنه لا يخص فقط الطرفين المتصارعين (الشعب والسلطة) بل يشكل خطرا على قطاعات واسعة من المجتمع. والسبب في ذلك هيمنة مصالح الطبقة الحاكمة على مصلحة شعب وأمة بأسرها، واستمرار هذه المواجهة هو أقرب إلى السكيزوفرينيا.
ما هي التداعيات السياسية المتوقعة؟
كل المؤشرات تدل على استمرار هذه الحركة الشعبية. مع أو بدون إجراء الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 12 ديسمبر. في كلتا الحالتين، سوف تستمر الحركة في رفع مطلبها الرئيسي المتمثل في بناء دولة مدنية مع تسليم السلطة إثر فترة انتقالية.
في حالة تحقيق هذا السيناريو، يمكن أن نشهد الانتقال إلى مسؤولية جماعية متعددة الأوجه تعيد توزيع المهام داخل الحراك وتنظيم مناقشات واتخاذ إجراءات عاجلة منبثقة عن الحلقات ومجموعات التفكير. ومن المتوقع أن تظهر أشكال جديدة من التنظيم لأن الأحزاب السياسية التقليدية فقدت كل مصداقيتها. لقد فهم غالبية الجزائريين أنها مجرد تكتلات ومجموعات مصالح قصيرة الأجل تسعى إلى بلوغ أهداف ونيل نصيب من السلطة، وهو ما يفسر عجزها تنظيم الحياة في المجتمع وغيابها التام خارج المناسبات الانتخابية. فهذه المجموعات الكثيرة والمصطنعة ليست نتاج ممارسة سياسية ناجحة ولا تستند إلى قاعدة مجتمعية تضمن بقائها. بمعنى آخر، ليست نتيجة سيرورة اجتماعية وسياسية مثوقة تاريخياً. بل هي صناعة عفوية تخضع للظروف والتحالفات السياسية. منذ مسيرة 22 فيفري والمحتجون يطالبون برحيل كل هذه الأحزاب التي استخدمت كواجهة تعددية للنظام.
تُظهر الأجيال الشابة اليوم عن مشاركة استثنائية في الحراك، وهي التي أبعدت عن الشأن السياسي لمدة طويلة. كيف تفسرون هذا الحضور؟
علّمتنا الأجيال الشابة درسًا عظيما في قراءة المستقبل. فهب لم تعط فقط معنى للسياسة، بتجديدها، وإنما أبرزت مجموعة من الوجوه الجديدة والواعدة. بعضها معروف ويحظى بتزكية الشارع وهناك آخرون في طريق لنيل هذه الحظوة. للأسف، العديد من هذه الرموز موجودة في السجن.
وهذا يؤكد وجود رغبة واضحة في منع ظهور نخبة معارضة في صورة مثقفين أو شخصيات سياسية. والسبب في عدم ظهور مثقفين يعود تاريخياً واجتماعياً إلى حرص السلطات المتعاقبة في الجزائر على وأد أي محاولة لتكوين مثقفين. لدرجة أننا نجد أنفسنا، كما أظهرت ذلك في بعض أعمالي الأكاديمية، أمام مثقفين بدلاء، وهو ما يفسر رداءة رجال السياسية في بلدنا. في الوقت الحاضر، إن تجديد النخبة السياسية الذي تطالب به الحركة الشعبية هو تعبير عن مطلب اجتماعي. ولا علاقة ذلك بتسابق ستين حزبا معتمدا للحصول على فتات من السلطة في كل مناسبة انتخابية والتي لا يؤثر وجودها على حياة المجتمع قط.
إن هذه المطالبة بالقطيعة السياسية لا يعبّرؤ عنه فقط الأجيال الجديدة، التي تشكل العمود الفقري للحركة الشعبية، ولكن أيضًا مختلف الفئات الاجتماعية التي أصبحت في الجزائر فاعلًا سياسيًا لا مفر منه. كما تبيّن إحدى القراءات الأولى في فهم ما وراء المطالبة الجماعية بالرحيل الفوري للنظامد. لهذا بدأت تتبلور في الساحة شيئا فشيئا وجوه جديدة في المسيرات ينظر إليها كمرجعيات. وهذا ما يبشر بميلاد جديد للسياسي الذي طالما كان حكرا على فئة منبوذة.
ليبرتي
ترجمة: م. عاشوري
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.