لم يكن للجزائريين الذين فوجؤوا باتساع رقعة الوباء والإجراءات التي اتخذتها السلطات العمومية، سوى أن يتأقلموا مع الوضع ويكيّفوا سلوكهم معها. المشهد أشبه بالمشاهد المأخوذة من أفلام الخيال العلمي. من كان يتصور في يوم من الأيام أن الجزائريين، الذين ألفوا حياة الجلسات الحميمية والتجمعات الودية في المقاهي الشعبية والأحياء، سيضطرون فجأة ودون سابق إنذار لتغيير علاقتهم بالمكان والزمان؟ مع ذلك، وعلى غرار الكثير من الشعوب، كان لزاما عليهم أن يتبنوا رغماً عنهم طقوس وأنماط حياة جديدة، منذ ظهور جائحة كورونا وقبل أن تنتشر تدريجياً لتمس عدة ولايات من الوطن. شيئًا فشيئًا، ومنذ شهر تحديداً، وبمجرد إقرار السلطات غلق المدارس ومراكز التكوين المهني والجامعات، وجد الجزائريون أنفسهم، بعدما كانوا ينظرون عن بعد إلى تطورات الوضع في بلدان أخرى عبر وسائل الإعلام، مضطرين لتغيير سلوكهم وعاداتهم الراسخة واتبّاع أنماط جديدة يفرضها الوضع المستجد. كانت نقطة التحول الرئيسية الأولى الحراك الشعبي الرائع الذي لم يتوقف طيلة عام كامل عن اجتياح الشوارع في العديد من ولايات القطر للمطالبة بتغيير جذري للنظام، قرر بعد أسبوع، بناء على دعوة الكثير من القوى السياسية وشخصيات المجتمع المدني و »الحراكيين »، إعلان الهدنة. ولقد لقيت هذه الدعوة تجاوبا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي. ففيما كان النقاش دائراً بين نشطاء الحراك حول مستقبل الحركة من خلال الدعوة إلى استغلال الفرصة لاستكشاف أشكال جديدة من النضال، أعلنت رئاسة الجمهورية، بعدما بدا الوباء يستفحل، إجراءات أولية تقضي بحظر المسيرات والتجمعات وإغلاق حتى المساجد. ويعتبر هذا القرار سابقة في تاريخ البلد، خاصة أنها كانت في البداية موضع تردد من جانب الوزارة الوصية ولجنة الفتوى. وإذا كان كل العقلاء قد أشادوا بهذا الإجراء، إلا أن ذلك أثار حفيظة بعض الشخصيات الإسلامية الجزائرية على غرار عبد الله جاب الل ، رئيس حزب العدالة والتنمية. لكن يبقى أن الإجراءات التي اتخذت في 22 مارس وفي اليوم التالي هي التي تسبب انقلاباً حقيقيًا في حياة الجزائريين، وهو أشبه بزلزال صغير في العقول والنفوس. فبالإضافة إلى تعليق جميع وسائل النقل العمومي داخل المدن وبين الولايات وكذلك حركة السكك الحديدية، وتسريح 50٪ من الموظفين، قررت السلطات وضع ولاية ولاية البليدة ـ مركز الوباء ـ تحت الحجر الكلّي، والحجر الجزئي على العاصمة بين الساعة السابعة مساء و السابعة صباحا، وغلق جميع المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي على مستوى جميع أنحاء التراب الوطني، مع حظر سيارات الأجرة كذلكمن الحركة. ومن الإجراءات المتخذة أيضا منع التجمعات لأكثر من شخصين. وسط هذه الأجواء التي زادت من خوف الجزائريين وهواجسهم، قبلوا مكرهين وغير مخيّرين بدخول حياة الحجر وتذوقها. في حياتهم الجديدة، اكتشف البعض هوايات جديدة، فيما يمارس البعض الآخر أنشطة « داخلية »، وفضل آخرون المشاركة في حملات التضامن التي تتولاها في بعض المناطق قرى بأكملها، لاسيما في منطقة القبائل، خارج نطاق الدولة. ومن مفارقات الوضع الجديد أنه في اللحظة التي حدثت فيها قطيعة مع الفضاء العمومي، برزت إلى السطح روح التضامن والتآزر والعمل الجماعي. ومن الآثار الجانبية التي نجمت عن الحجر الصحي، زوال مظاهر الازدحام في حركة المرور مما نتج عنه أيضا تراجع كبير في الحوادث، وزيادة في حوادث العنف المنزلي، كما سبق وأن حذرت من ذلك بعض الجمعيات النسوية. يقول الأستاذ في علم الاجتماع كريم خالد من جامعة الجزائر، في هذا الصدد إن « الوقت الذي يفرضه الحجر الصحي أجبر الجزائريين على إعادة اكتشاف الفضاء المنزلي وإعادة التفكير في العلاقات مع الزمان والمكان ». الخوف من الغد إذا كان هذا التقوقع الجماعي قد تسبب في نوع من الشلل على المستوى السياسي، فإن له انعكاسات كثيرة أيضا خاصة على المستوى الاقتصادي والثقافي والرياضي. فالشباب الذين يعيشون من نشاطاتهم في القطاع الموازي، ويمثلون فئة واسعة، لا حيلة لهم سوى الصبر والاعتماد على التضامن. كما أن هناك مؤسسات كثيرة تئن تحت وطأة الديون واضطرت لتسريح عمالها، وهي الآن على وشك إعلان إفلاسها إذا لم تمد لها السلطات العمومية حبل النجدة لإنقاذها. وهناك خدمات ومؤسسات تجارية وفنادق ينتظرها نفس المصير. وما يزيد الوضع تأزماً عودة شبح الأزمة الاقتصادية على الرغم من تطمينات السلطات. ويرى الكثير من المتتبعين أنها هذا الوضع سيعمّق الفوارق الاجتماعية، مثلما أظهرته مشاهد الطوابير الطويلة لاقتناء السميد. هذا وبغض النظر عن الانقلاب الذي جرى في عادات الناس وسلوكهم والتغيرات التي ستنجر عنها والتي يرجح أنها ستستمر، فإن الأزمة الصحية فضحت نمط الحكم، وكشفت عن غياب المؤسسات وموت المجتمع المدني واغتيال البحث العلمي والدور الأساسي للجامعة. والسؤال الذي يبقى مطروحا هو عن مدى استعداد البلد للشروع إصلاح شامل للمدرسة والمنظومة الصحية والنشاط الاقتصادي بشكل عام، أم أنه سيستسلم للقدر الذي أراد الحراك الشعبي أن يخرجه منه، وهو الذي لم يحقق كل أهدافه بعد. خيار يتوقف على ظهور رؤية سياسية جديدة تحدث قطيعة جذرية مع أنماط وتقاليد الحكم الحالي. ليبرتي ترجمة: م. عاشوري
لم يكن للجزائريين الذين فوجؤوا باتساع رقعة الوباء والإجراءات التي اتخذتها السلطات العمومية، سوى أن يتأقلموا مع الوضع ويكيّفوا سلوكهم معها. المشهد أشبه بالمشاهد المأخوذة من أفلام الخيال العلمي. من كان يتصور في يوم من الأيام أن الجزائريين، الذين ألفوا حياة الجلسات الحميمية والتجمعات الودية في المقاهي الشعبية والأحياء، سيضطرون فجأة ودون سابق إنذار لتغيير علاقتهم بالمكان والزمان؟ مع ذلك، وعلى غرار الكثير من الشعوب، كان لزاما عليهم أن يتبنوا رغماً عنهم طقوس وأنماط حياة جديدة، منذ ظهور جائحة كورونا وقبل أن تنتشر تدريجياً لتمس عدة ولايات من الوطن. شيئًا فشيئًا، ومنذ شهر تحديداً، وبمجرد إقرار السلطات غلق المدارس ومراكز التكوين المهني والجامعات، وجد الجزائريون أنفسهم، بعدما كانوا ينظرون عن بعد إلى تطورات الوضع في بلدان أخرى عبر وسائل الإعلام، مضطرين لتغيير سلوكهم وعاداتهم الراسخة واتبّاع أنماط جديدة يفرضها الوضع المستجد. كانت نقطة التحول الرئيسية الأولى الحراك الشعبي الرائع الذي لم يتوقف طيلة عام كامل عن اجتياح الشوارع في العديد من ولايات القطر للمطالبة بتغيير جذري للنظام، قرر بعد أسبوع، بناء على دعوة الكثير من القوى السياسية وشخصيات المجتمع المدني و »الحراكيين »، إعلان الهدنة. ولقد لقيت هذه الدعوة تجاوبا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي. ففيما كان النقاش دائراً بين نشطاء الحراك حول مستقبل الحركة من خلال الدعوة إلى استغلال الفرصة لاستكشاف أشكال جديدة من النضال، أعلنت رئاسة الجمهورية، بعدما بدا الوباء يستفحل، إجراءات أولية تقضي بحظر المسيرات والتجمعات وإغلاق حتى المساجد. ويعتبر هذا القرار سابقة في تاريخ البلد، خاصة أنها كانت في البداية موضع تردد من جانب الوزارة الوصية ولجنة الفتوى. وإذا كان كل العقلاء قد أشادوا بهذا الإجراء، إلا أن ذلك أثار حفيظة بعض الشخصيات الإسلامية الجزائرية على غرار عبد الله جاب الل ، رئيس حزب العدالة والتنمية. لكن يبقى أن الإجراءات التي اتخذت في 22 مارس وفي اليوم التالي هي التي تسبب انقلاباً حقيقيًا في حياة الجزائريين، وهو أشبه بزلزال صغير في العقول والنفوس. فبالإضافة إلى تعليق جميع وسائل النقل العمومي داخل المدن وبين الولايات وكذلك حركة السكك الحديدية، وتسريح 50٪ من الموظفين، قررت السلطات وضع ولاية ولاية البليدة ـ مركز الوباء ـ تحت الحجر الكلّي، والحجر الجزئي على العاصمة بين الساعة السابعة مساء و السابعة صباحا، وغلق جميع المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي على مستوى جميع أنحاء التراب الوطني، مع حظر سيارات الأجرة كذلكمن الحركة. ومن الإجراءات المتخذة أيضا منع التجمعات لأكثر من شخصين. وسط هذه الأجواء التي زادت من خوف الجزائريين وهواجسهم، قبلوا مكرهين وغير مخيّرين بدخول حياة الحجر وتذوقها. في حياتهم الجديدة، اكتشف البعض هوايات جديدة، فيما يمارس البعض الآخر أنشطة « داخلية »، وفضل آخرون المشاركة في حملات التضامن التي تتولاها في بعض المناطق قرى بأكملها، لاسيما في منطقة القبائل، خارج نطاق الدولة. ومن مفارقات الوضع الجديد أنه في اللحظة التي حدثت فيها قطيعة مع الفضاء العمومي، برزت إلى السطح روح التضامن والتآزر والعمل الجماعي. ومن الآثار الجانبية التي نجمت عن الحجر الصحي، زوال مظاهر الازدحام في حركة المرور مما نتج عنه أيضا تراجع كبير في الحوادث، وزيادة في حوادث العنف المنزلي، كما سبق وأن حذرت من ذلك بعض الجمعيات النسوية. يقول الأستاذ في علم الاجتماع كريم خالد من جامعة الجزائر، في هذا الصدد إن « الوقت الذي يفرضه الحجر الصحي أجبر الجزائريين على إعادة اكتشاف الفضاء المنزلي وإعادة التفكير في العلاقات مع الزمان والمكان ». الخوف من الغد إذا كان هذا التقوقع الجماعي قد تسبب في نوع من الشلل على المستوى السياسي، فإن له انعكاسات كثيرة أيضا خاصة على المستوى الاقتصادي والثقافي والرياضي. فالشباب الذين يعيشون من نشاطاتهم في القطاع الموازي، ويمثلون فئة واسعة، لا حيلة لهم سوى الصبر والاعتماد على التضامن. كما أن هناك مؤسسات كثيرة تئن تحت وطأة الديون واضطرت لتسريح عمالها، وهي الآن على وشك إعلان إفلاسها إذا لم تمد لها السلطات العمومية حبل النجدة لإنقاذها. وهناك خدمات ومؤسسات تجارية وفنادق ينتظرها نفس المصير. وما يزيد الوضع تأزماً عودة شبح الأزمة الاقتصادية على الرغم من تطمينات السلطات. ويرى الكثير من المتتبعين أنها هذا الوضع سيعمّق الفوارق الاجتماعية، مثلما أظهرته مشاهد الطوابير الطويلة لاقتناء السميد. هذا وبغض النظر عن الانقلاب الذي جرى في عادات الناس وسلوكهم والتغيرات التي ستنجر عنها والتي يرجح أنها ستستمر، فإن الأزمة الصحية فضحت نمط الحكم، وكشفت عن غياب المؤسسات وموت المجتمع المدني واغتيال البحث العلمي والدور الأساسي للجامعة. والسؤال الذي يبقى مطروحا هو عن مدى استعداد البلد للشروع إصلاح شامل للمدرسة والمنظومة الصحية والنشاط الاقتصادي بشكل عام، أم أنه سيستسلم للقدر الذي أراد الحراك الشعبي أن يخرجه منه، وهو الذي لم يحقق كل أهدافه بعد. خيار يتوقف على ظهور رؤية سياسية جديدة تحدث قطيعة جذرية مع أنماط وتقاليد الحكم الحالي. ليبرتي ترجمة: م. عاشوري
Publier votre réaction
Nos articles sont ouverts aux commentaires. Chaque abonné peut y participer dans tous nos contenus et dans l’espace réservé. Nous précisons à nos lecteurs que nous modérons les commentaires pour éviter certains abus et dérives et que nous pouvons être amenés à bloquer les comptes qui contreviendraient de façon récurrente à notre charte d’utilisation.
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.