أكد الناقد السينمائي المخضرم « أحمد بجاوي »، اليوم الأربعاء 20 فيفري 2019، حتمية تخلي الدولة عن وصايتها على السينما، وفي حوار خص به « ليبرتي عربي »، يشير « بجاوي » إلى ضرورة استحداث سوق ثقافية حقيقية، وإصلاح القطاع عبر استحداث سوق حرة بقوة دعم عمومية لتأطير النشاط.
كناقد متخصص اشتغلتم على منجزات الفن السابع لعقود، ما رؤيتكم لوضع السينما الجزائرية في 2019؟ وما رأيكم في القائلين بانتفاء وجود سينما جزائرية حقيقية؟
عايشت كمهني السينما الجزائرية منذ منتصف ستينات القرن الماضي، وتابعت بدايات متحف السينما، كما عاملت كمستشار في توزيع الأفلام بالديوان الوطني لصناعة السينما، كما قمت بتسيير الإنتاج في التلفزيوني الجزائري، وكانت لي حصة حول السينما استمرت 20 عاما، مثلما كتبت عدة مقالات في جرائد ومجلات جزائرية ودولية.
وإذا ما قارنت بين السينما خلال العشريتين الأوليتين (ترتبطان على نحو خاص بعهد بومدين) مع العشريات اللاحقة، أقول إنّ الاختلاف الأكبر لا يكمن في نوعية الإنتاج (مثلما ظل شائعا)، بل في طبيعة النشاط السينماتوغرافي.
عند الاستقلال، ورثنا هياكل سينماتوغرافية حقيقية بمئات القاعات ومخبر صغير سرعان ما جرى تحويله سريعا إلى تونس، في الوقت ذاته، قامت مؤسسات الدولة تحت مظلة التأميم، بقتل سوق السينما لزمن طويل، فغلق القاعات ورحيل الموزّعين يعود إلى الستينات.
والخطاب المتمحور حول بناء مخابر وإنشاء مدينة سينمائية، تواصل منذ تلك الفترة، لكن في نهاية المطاف، جرى استخدام وإغناء الهياكل الأجنبية لتحميض وتجهيز أفلامنا.
الشيىء الوحيد الذي بقي من الثلاثية السينماتوغرافية (تسويق – صناعة – إنتاج)، هو القدرة على إنجاز أفلام والاستفادة من ميزانيات، حتى وإن كانت هذه الأفلام لا تحظى بمشاهدة أحد.
بالنسبة للإنتاج الذي يبقى الناجي الأوحد من السوق المتلاشية، وعكس ما يتشدق به البعض ويسمونه « العصر الذهبي » للسينما، أقول إنه على أية حال في قطاع السينما، المواهب الموجودة اليوم هي أكبر عددا مقارنة بما كان متوفرا في السابق.
بين عامي 1965 و1985، كنا نجد الإبداعات الأكثر أصالة والمواهب الأكبر في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، باستثناء بعض الأفلام مثل « عمر قتلاتو » و »تحيا يا ديدو » أفلتت من القاعدة، علما أنّ الفيلم الأخير أنتج في الخارج وضدّ الديوان الوطني لصناعة السينما.
شهدت الجزائر منذ عقد ونصف، تظاهرات ثقافية عديدة واستحداثا لعدة مهرجانات، إلى أي مدى أسهمت هذه الفعاليات في إنعاش أو كبح السينما الجزائرية؟
ليس هناك شك أن الفعاليات التي شهدتها تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007، كشفت عن عدة مواهب، حيث شاهدنا أفلاما بنوعية عالية مثل: « المنزل الأصفر »، « مهزلة »، « مال وطني »، إضافة إلى « يما ».
نحن اعتقدنا بحدوث تجديد، لكن كل شيىء تبخّر في اليوم الموالي، لأنّ السينما غير الموجّهة لجمهور وطني، هي محكومة بالسقوط في الرداءة وعدم الاستمرار.
والخطأ هو لمسؤولي القطاع الذين لم يفعلوا شيئا لإعادة فتح القاعات، ومنح ديناميكية للنشاط السينمائي تجاريا، عبر تركهم الخواص يتحركون فحسب.
أكثر فأكثر، صرنا نرى أنّ السينمائيين صاروا ينجزون أفلاما على أمل أن يتم اختيارها في مهرجانات خارجية، كل هذا ناجم عن غياب إرادة سياسية لبعث سوق السينما على قاعدة صلبة غير خاضعة لأي توجيه سياسي.
إلى أي مدى يمكن إخراج السينما الجزائرية من عنق الزجاجة؟
حان الوقت لأن تتخلى الدولة عن وصايتها على السينما، وتكتفي بلعب دورها كمؤطر رسمي وداعم مالي، وتترك الخواص يتفاعلون من أجل فتح فضاءات متعددة الشاشات، وإبرام شراكات مع المتعاملين الدوليين المتمكّنين.
إذا ما أردنا (بعيدا عن خطاب المبدأ) استحداث سوق ثقافية حقيقية، بات من المستعجل، اعتماد إصلاح القطاع عبر إقرار استثناء ثقافي يمرّ في المقام الأول بمراجعة القانون 51/49 التي برزت ولا تزال كعائق أكبر أمام الاستثمارات الوطنية والدولية.
كيف السبيل لتطوير السينما الجزائرية، وهل من أفكار لاستحداث صناعة سينمائية وسوق لترويج المنتجات؟
الدولة أخفقت في مقاربتها السياسية والتسلطية، إذن ينبغي العودة إلى القواعد الأكثر بساطة على صعيد التبادل: سوق حرة بقوة دعم عمومية لتأطير النشاط، على أن تتدخل الدولة من أجل إصلاح نصوص بعينها، وجعلها أكثر تحفيزا للاستثمار.
وأشير إلى أنّ السينما ظلت تعمل بموجب تدابير براغماتية إلى غاية 2010، هذه السنة شهدت مصادقة البرلمان على قانون جديد للسينما، وبدل أن يتم مساعدة السينما، جرى وضع الأخيرة تحت وصاية وزارة أخرى، بما أفرز مستوى إضافيا من الرقابة والعقبات.
وأرى شخصياً أنّ السينما ليست بحاجة إلى قانون خاص، بل المطلوب هو العودة إلى التدابير التي جعلت من السوق الجزائرية الأكثر انتشارا في المنطقة غداة الاستقلال.
ويبقى أنّ إنتاج الأفلام أمر جيد، لكن من دون جمهور، تبقى هذه الأفلام افتراضية وموجّهة فقط إلى المهرجانات أو متفرجين محدّدين، وعلى مدار عشريتين، لم يتوقف الخطاب والوعود حول إعادة فتح القاعات، لكن من دون التوصل إلى أدنى حل.
اليوم، أقول للأسف أنّ القاعات الجوارية تجاوزتها الأحداث، لأنّ الجزائريين لم يعد لديهم أي ميل للاحتكاك بجيرانهم، وأنّ الاكتظاظ الذي تشهده مدن الشمال لا يغري الأشخاص بالذهاب إلى القاعات.
بات لزاما مواكبة مقتضيات الراهن مثل عدة دول، تركيا، مصر، إسبانيا أو الصين، وبناء فضاءات متعددة الشاشات بجوار المراكز التجارية، أو في مناطق عبر المدن، أين يجد المتفرجون أماكن لركن سياراتهم والإطعام السريع.
لكن هذا يظلّ مرهونا بإرادة سياسية واضحة، وليس بصيغة « الأماني السعيدة »، لأنّه من المستعجل تحرير القطاع ومراجعة القوانين (بما فيها قانون 51/49)، وتفعيل النشاط التجاري هو الذي سيمنح عائدات ويطعّم صناديق الدعم، بما يمكن مجددا للسينما أن تموّل السينما.
أشير هنا إلى أنه خلال العشرين سنة التي أعقبت الاستقلال، المداخيل التي كانت توفرها تذاكر الدخول إلى القاعات، هي كانت تموّل عموم الإنتاج الوطني وحتى الانتاجات المشتركة، بينما اليوم، تعيش السينما بالتقطير تحت رحمة الأموال العمومية.
أجرى الحوار: كامـل الشيرازي
أكد الناقد السينمائي المخضرم « أحمد بجاوي »، اليوم الأربعاء 20 فيفري 2019، حتمية تخلي الدولة عن وصايتها على السينما، وفي حوار خص به « ليبرتي عربي »، يشير « بجاوي » إلى ضرورة استحداث سوق ثقافية حقيقية، وإصلاح القطاع عبر استحداث سوق حرة بقوة دعم عمومية لتأطير النشاط.
كناقد متخصص اشتغلتم على منجزات الفن السابع لعقود، ما رؤيتكم لوضع السينما الجزائرية في 2019؟ وما رأيكم في القائلين بانتفاء وجود سينما جزائرية حقيقية؟
عايشت كمهني السينما الجزائرية منذ منتصف ستينات القرن الماضي، وتابعت بدايات متحف السينما، كما عاملت كمستشار في توزيع الأفلام بالديوان الوطني لصناعة السينما، كما قمت بتسيير الإنتاج في التلفزيوني الجزائري، وكانت لي حصة حول السينما استمرت 20 عاما، مثلما كتبت عدة مقالات في جرائد ومجلات جزائرية ودولية.
وإذا ما قارنت بين السينما خلال العشريتين الأوليتين (ترتبطان على نحو خاص بعهد بومدين) مع العشريات اللاحقة، أقول إنّ الاختلاف الأكبر لا يكمن في نوعية الإنتاج (مثلما ظل شائعا)، بل في طبيعة النشاط السينماتوغرافي.
عند الاستقلال، ورثنا هياكل سينماتوغرافية حقيقية بمئات القاعات ومخبر صغير سرعان ما جرى تحويله سريعا إلى تونس، في الوقت ذاته، قامت مؤسسات الدولة تحت مظلة التأميم، بقتل سوق السينما لزمن طويل، فغلق القاعات ورحيل الموزّعين يعود إلى الستينات.
والخطاب المتمحور حول بناء مخابر وإنشاء مدينة سينمائية، تواصل منذ تلك الفترة، لكن في نهاية المطاف، جرى استخدام وإغناء الهياكل الأجنبية لتحميض وتجهيز أفلامنا.
الشيىء الوحيد الذي بقي من الثلاثية السينماتوغرافية (تسويق – صناعة – إنتاج)، هو القدرة على إنجاز أفلام والاستفادة من ميزانيات، حتى وإن كانت هذه الأفلام لا تحظى بمشاهدة أحد.
بالنسبة للإنتاج الذي يبقى الناجي الأوحد من السوق المتلاشية، وعكس ما يتشدق به البعض ويسمونه « العصر الذهبي » للسينما، أقول إنه على أية حال في قطاع السينما، المواهب الموجودة اليوم هي أكبر عددا مقارنة بما كان متوفرا في السابق.
بين عامي 1965 و1985، كنا نجد الإبداعات الأكثر أصالة والمواهب الأكبر في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، باستثناء بعض الأفلام مثل « عمر قتلاتو » و »تحيا يا ديدو » أفلتت من القاعدة، علما أنّ الفيلم الأخير أنتج في الخارج وضدّ الديوان الوطني لصناعة السينما.
شهدت الجزائر منذ عقد ونصف، تظاهرات ثقافية عديدة واستحداثا لعدة مهرجانات، إلى أي مدى أسهمت هذه الفعاليات في إنعاش أو كبح السينما الجزائرية؟
ليس هناك شك أن الفعاليات التي شهدتها تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية 2007، كشفت عن عدة مواهب، حيث شاهدنا أفلاما بنوعية عالية مثل: « المنزل الأصفر »، « مهزلة »، « مال وطني »، إضافة إلى « يما ».
نحن اعتقدنا بحدوث تجديد، لكن كل شيىء تبخّر في اليوم الموالي، لأنّ السينما غير الموجّهة لجمهور وطني، هي محكومة بالسقوط في الرداءة وعدم الاستمرار.
والخطأ هو لمسؤولي القطاع الذين لم يفعلوا شيئا لإعادة فتح القاعات، ومنح ديناميكية للنشاط السينمائي تجاريا، عبر تركهم الخواص يتحركون فحسب.
أكثر فأكثر، صرنا نرى أنّ السينمائيين صاروا ينجزون أفلاما على أمل أن يتم اختيارها في مهرجانات خارجية، كل هذا ناجم عن غياب إرادة سياسية لبعث سوق السينما على قاعدة صلبة غير خاضعة لأي توجيه سياسي.
إلى أي مدى يمكن إخراج السينما الجزائرية من عنق الزجاجة؟
حان الوقت لأن تتخلى الدولة عن وصايتها على السينما، وتكتفي بلعب دورها كمؤطر رسمي وداعم مالي، وتترك الخواص يتفاعلون من أجل فتح فضاءات متعددة الشاشات، وإبرام شراكات مع المتعاملين الدوليين المتمكّنين.
إذا ما أردنا (بعيدا عن خطاب المبدأ) استحداث سوق ثقافية حقيقية، بات من المستعجل، اعتماد إصلاح القطاع عبر إقرار استثناء ثقافي يمرّ في المقام الأول بمراجعة القانون 51/49 التي برزت ولا تزال كعائق أكبر أمام الاستثمارات الوطنية والدولية.
كيف السبيل لتطوير السينما الجزائرية، وهل من أفكار لاستحداث صناعة سينمائية وسوق لترويج المنتجات؟
الدولة أخفقت في مقاربتها السياسية والتسلطية، إذن ينبغي العودة إلى القواعد الأكثر بساطة على صعيد التبادل: سوق حرة بقوة دعم عمومية لتأطير النشاط، على أن تتدخل الدولة من أجل إصلاح نصوص بعينها، وجعلها أكثر تحفيزا للاستثمار.
وأشير إلى أنّ السينما ظلت تعمل بموجب تدابير براغماتية إلى غاية 2010، هذه السنة شهدت مصادقة البرلمان على قانون جديد للسينما، وبدل أن يتم مساعدة السينما، جرى وضع الأخيرة تحت وصاية وزارة أخرى، بما أفرز مستوى إضافيا من الرقابة والعقبات.
وأرى شخصياً أنّ السينما ليست بحاجة إلى قانون خاص، بل المطلوب هو العودة إلى التدابير التي جعلت من السوق الجزائرية الأكثر انتشارا في المنطقة غداة الاستقلال.
ويبقى أنّ إنتاج الأفلام أمر جيد، لكن من دون جمهور، تبقى هذه الأفلام افتراضية وموجّهة فقط إلى المهرجانات أو متفرجين محدّدين، وعلى مدار عشريتين، لم يتوقف الخطاب والوعود حول إعادة فتح القاعات، لكن من دون التوصل إلى أدنى حل.
اليوم، أقول للأسف أنّ القاعات الجوارية تجاوزتها الأحداث، لأنّ الجزائريين لم يعد لديهم أي ميل للاحتكاك بجيرانهم، وأنّ الاكتظاظ الذي تشهده مدن الشمال لا يغري الأشخاص بالذهاب إلى القاعات.
بات لزاما مواكبة مقتضيات الراهن مثل عدة دول، تركيا، مصر، إسبانيا أو الصين، وبناء فضاءات متعددة الشاشات بجوار المراكز التجارية، أو في مناطق عبر المدن، أين يجد المتفرجون أماكن لركن سياراتهم والإطعام السريع.
لكن هذا يظلّ مرهونا بإرادة سياسية واضحة، وليس بصيغة « الأماني السعيدة »، لأنّه من المستعجل تحرير القطاع ومراجعة القوانين (بما فيها قانون 51/49)، وتفعيل النشاط التجاري هو الذي سيمنح عائدات ويطعّم صناديق الدعم، بما يمكن مجددا للسينما أن تموّل السينما.
أشير هنا إلى أنه خلال العشرين سنة التي أعقبت الاستقلال، المداخيل التي كانت توفرها تذاكر الدخول إلى القاعات، هي كانت تموّل عموم الإنتاج الوطني وحتى الانتاجات المشتركة، بينما اليوم، تعيش السينما بالتقطير تحت رحمة الأموال العمومية.
أجرى الحوار: كامـل الشيرازي
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.