تعطرت قرية الساحل التابعة لبلدية بوزقن (40 كلم شرقي ولاية تيزي وزو)، بخوارق سحر جميل على مدار أسبوع كامل أنعش أبناء الساحل وقوافل الزوار، وكانت 7 أيام استثنائية برسم الطبعة الـ16 لمهرجان لفنون تحكي.

على مدار الفترة بين 19 و26 جويلية الجاري، تزيّنت قرية الساحل إبداعاً خالصاً في منطقة شاسعة متفرّدة دأبت على احتضان تظاهرات ثقافية كبيرة سنوياً، إضافة إلى عيد التين.

ووسط عدد كبير من المشاركين وعمران أصيل وفّر فضاءات وديناميكية وقوة وجمالاً، أعطت قرية الساحل ببوزقن مذاقاً خاصاً لهذا المهرجان الثقافي المتنقل في المشهد الفني المحلي، والذي أطلقه ثلاثة فنانين سنة 2004 ببني يني (35 كلم جنوبي شرق تيزي وزو) بالتعاون مع رابطة الفنون السينمائية والدرامية بتيزي وزو.

ليبرتي عربي يرصد نبض مهرجان الفنون تحكي بقرية الساحل في بوزقن

وبعدما جرت آخر طبعة في قرية تيفردود (بلدية أبي يوسف 60 كلم جنوب شرق تيزي وزو)، قادت العائلة الكبيرة لقرية الساحل، بتمرّس فعاليات المهرجان السادس عشر لحكي الفنون.

وظلت القرية حيوية ناشطة بلحظات سحرية ملأت ساحة تاجماعت تحت ظلال الكلمة الملقّنة وآفاقها الابتكارية غير المحدودة موسيقى وغناءً ومسرحاً وشعراً ورسماً وخيلاء حضرت فيه ألوان من الموروث الشعبي العذب بمختلف تجلياته.

من عمق مهرجان « الفنون تحكي » في قرية الساحل ببلدية بوزقن الخلاّبة

شاهدوا واستمتعوا

وأقيمت جلسات استماع للبوقالات والأمثال الشعبية، وحكايا الجدات والألغاز، وأماسي في الشعر الملحون، فضلا عن سهرات فلكلورية متنوعة وقراءات للشعر الشعبي، فضلاً عن وصلات في الموسيقى وأيقونات تشكيلية.

الفنون تحكي وتحاكي وتتمظهر في بوزقن

إحياء فنون الكلام والأداء

رأى متابعون لمشهدية بوزقن، كومضة تحيي فنون الكلام الغزيرة جزائرياً، في صورة الرصيد الضخم الذي تمتلكه الجزائر من أمثال وحكم وحكايا وألغاز وأشعار ومواويل وما يُعرف بـ »البوقالات » التي ظلت رهن الشفوية والمناسباتية.

استمتعوا بفاصل آخر من عرس الثقافة الشعبية في بوزقن

ويشير الباحث مراد لوافي إلى توافر الجزائر على خزّان شعبي هائل من الأمثال والحكم والقصائد بحدود خمسة آلاف وحدة تتوزع على ولايات البلاد الـ48.

وبين هذه الأفاريز الكلامية، تتواجد « البوقالة » وهي أشعار شعبية ذائعة الصيت في الأوساط العائلية النسوية، غالبا ما يدور فحواها حول الحب العفيف والحزن على فراق الأحباب والخلان والأمل بعودتهم.

وتتميّز منظومة البوقالة إبداعياً، بحميميتها التي تمكّن الخائضات فيها من فتح مخيلتهنّ وفسح خواطرهنّ وشرح صدورهنّ للفأل الطيب والأمل والرجاء والحلم، علما أنّ البوقالات ذات الأبعاد الثلاثة  » الشعر – التفسير – التمني »، تراجعت من حيث الممارسة بعدما كانت ديكورا ليليا مفضلا لجزائريات الزمن الأول، وتسعى مخضرمات ونوادي الإبداع لإحياء مكامن البوقالة وما تنضح به من حكم وأمثال وموشحات أندلسية.

وإلى جانب البوقالات، يبرز الباحث « عبد النبي زندري » قصائد « آليون » التي تردد في الأعراس والتي تتغنى بها نساء مجتمع الطوارق في مواسم الأفراح، إضافة إلى فنون تعبيرية مستوحاة من حكايات الشعر القديم كتراث الإمزاد الشهير في الجزائر وهو شعر ملحمي يمتد رصيده إلى ما يزيد عن المائتي سنة، وقصيد « الأشويق » العريق في منطقة القبائل، وما تضمنه من بوح الجزائريين القدامى.

وهناك أيضا تراث « الأهليل » الشعري الصوفي، وهو ديوان شعري ضخم يعكس مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للإنسان الجنوبي، ووسط حلقات بديعة يقوم المؤدي- الشاعر أو القوّال (الحكواتي) والذي يطلق عليه أيضا اسم « الزناتي » بإلقاء قصائد والتغني بالدين والحب والحياة وأيضا تمجيد الله وقيم الحب والحرب والشهرة والكرامة والعطف.

ويجدّد ممارسون للمسرح ولعهم بتوظيف الحكايا الشعبية والأمثال لكتابة نصوص روائية لها ارتباط بالذوق الذي تعود عليه الجمهور، لخلق وعي موضوعي تتضح معه الرؤية أكثر.

ويكشف الفنان محمد إسلام عباس عن تطلعه للاشتغال على منمنمات التراث الحكواتي الجزائري، منبهاً إلى حتمية الالتفات بشكل أكبر إلى الحكاية وتوظيفها في المخيال الشعبي وكيفية التأثير بها في المتلقين باعتبارها مسموعة وغير مكتوبة، مشيرا إلى أنّ هناك تأثير وتأثر بهذه الشفويات في المجتمع.

ويتصور عباس بضرورة إقحام الحكايا الشعبية والأساطير والأمثال في الممارسة المسرحية كحقل جمالي يُسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي، ويمتع القراء ويجذبهم إلى القراءة.

من جانبه، ينوّه الباحث محمد بوكراس، إلى حتمية بعث وترقية  وصون التراث اللامادي الذي هو التراث الحي، والذي يعتبر  المصدر الرئيس للتنوع الثقافي لأنه يشمل كل الممارسات والتعابير والمعارف والمهارات، والآلات والأدوات وحتى الفضاءات الثقافية المرتبطة بها، ذلك أن انتقال هذا التراث عبر الأجيال، يضمن دوام هويتها وأصالتها.

تشكيلة من الصور والفيديوهات بعدسة: محمد إيوانوغن

كامـل الشيرازي

تعطرت قرية الساحل التابعة لبلدية بوزقن (40 كلم شرقي ولاية تيزي وزو)، بخوارق سحر جميل على مدار أسبوع كامل أنعش أبناء الساحل وقوافل الزوار، وكانت 7 أيام استثنائية برسم الطبعة الـ16 لمهرجان لفنون تحكي.

على مدار الفترة بين 19 و26 جويلية الجاري، تزيّنت قرية الساحل إبداعاً خالصاً في منطقة شاسعة متفرّدة دأبت على احتضان تظاهرات ثقافية كبيرة سنوياً، إضافة إلى عيد التين.

ووسط عدد كبير من المشاركين وعمران أصيل وفّر فضاءات وديناميكية وقوة وجمالاً، أعطت قرية الساحل ببوزقن مذاقاً خاصاً لهذا المهرجان الثقافي المتنقل في المشهد الفني المحلي، والذي أطلقه ثلاثة فنانين سنة 2004 ببني يني (35 كلم جنوبي شرق تيزي وزو) بالتعاون مع رابطة الفنون السينمائية والدرامية بتيزي وزو.

ليبرتي عربي يرصد نبض مهرجان الفنون تحكي بقرية الساحل في بوزقن

وبعدما جرت آخر طبعة في قرية تيفردود (بلدية أبي يوسف 60 كلم جنوب شرق تيزي وزو)، قادت العائلة الكبيرة لقرية الساحل، بتمرّس فعاليات المهرجان السادس عشر لحكي الفنون.

وظلت القرية حيوية ناشطة بلحظات سحرية ملأت ساحة تاجماعت تحت ظلال الكلمة الملقّنة وآفاقها الابتكارية غير المحدودة موسيقى وغناءً ومسرحاً وشعراً ورسماً وخيلاء حضرت فيه ألوان من الموروث الشعبي العذب بمختلف تجلياته.

من عمق مهرجان « الفنون تحكي » في قرية الساحل ببلدية بوزقن الخلاّبة

شاهدوا واستمتعوا

وأقيمت جلسات استماع للبوقالات والأمثال الشعبية، وحكايا الجدات والألغاز، وأماسي في الشعر الملحون، فضلا عن سهرات فلكلورية متنوعة وقراءات للشعر الشعبي، فضلاً عن وصلات في الموسيقى وأيقونات تشكيلية.

الفنون تحكي وتحاكي وتتمظهر في بوزقن

إحياء فنون الكلام والأداء

رأى متابعون لمشهدية بوزقن، كومضة تحيي فنون الكلام الغزيرة جزائرياً، في صورة الرصيد الضخم الذي تمتلكه الجزائر من أمثال وحكم وحكايا وألغاز وأشعار ومواويل وما يُعرف بـ »البوقالات » التي ظلت رهن الشفوية والمناسباتية.

استمتعوا بفاصل آخر من عرس الثقافة الشعبية في بوزقن

ويشير الباحث مراد لوافي إلى توافر الجزائر على خزّان شعبي هائل من الأمثال والحكم والقصائد بحدود خمسة آلاف وحدة تتوزع على ولايات البلاد الـ48.

وبين هذه الأفاريز الكلامية، تتواجد « البوقالة » وهي أشعار شعبية ذائعة الصيت في الأوساط العائلية النسوية، غالبا ما يدور فحواها حول الحب العفيف والحزن على فراق الأحباب والخلان والأمل بعودتهم.

وتتميّز منظومة البوقالة إبداعياً، بحميميتها التي تمكّن الخائضات فيها من فتح مخيلتهنّ وفسح خواطرهنّ وشرح صدورهنّ للفأل الطيب والأمل والرجاء والحلم، علما أنّ البوقالات ذات الأبعاد الثلاثة  » الشعر – التفسير – التمني »، تراجعت من حيث الممارسة بعدما كانت ديكورا ليليا مفضلا لجزائريات الزمن الأول، وتسعى مخضرمات ونوادي الإبداع لإحياء مكامن البوقالة وما تنضح به من حكم وأمثال وموشحات أندلسية.

وإلى جانب البوقالات، يبرز الباحث « عبد النبي زندري » قصائد « آليون » التي تردد في الأعراس والتي تتغنى بها نساء مجتمع الطوارق في مواسم الأفراح، إضافة إلى فنون تعبيرية مستوحاة من حكايات الشعر القديم كتراث الإمزاد الشهير في الجزائر وهو شعر ملحمي يمتد رصيده إلى ما يزيد عن المائتي سنة، وقصيد « الأشويق » العريق في منطقة القبائل، وما تضمنه من بوح الجزائريين القدامى.

وهناك أيضا تراث « الأهليل » الشعري الصوفي، وهو ديوان شعري ضخم يعكس مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للإنسان الجنوبي، ووسط حلقات بديعة يقوم المؤدي- الشاعر أو القوّال (الحكواتي) والذي يطلق عليه أيضا اسم « الزناتي » بإلقاء قصائد والتغني بالدين والحب والحياة وأيضا تمجيد الله وقيم الحب والحرب والشهرة والكرامة والعطف.

ويجدّد ممارسون للمسرح ولعهم بتوظيف الحكايا الشعبية والأمثال لكتابة نصوص روائية لها ارتباط بالذوق الذي تعود عليه الجمهور، لخلق وعي موضوعي تتضح معه الرؤية أكثر.

ويكشف الفنان محمد إسلام عباس عن تطلعه للاشتغال على منمنمات التراث الحكواتي الجزائري، منبهاً إلى حتمية الالتفات بشكل أكبر إلى الحكاية وتوظيفها في المخيال الشعبي وكيفية التأثير بها في المتلقين باعتبارها مسموعة وغير مكتوبة، مشيرا إلى أنّ هناك تأثير وتأثر بهذه الشفويات في المجتمع.

ويتصور عباس بضرورة إقحام الحكايا الشعبية والأساطير والأمثال في الممارسة المسرحية كحقل جمالي يُسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي، ويمتع القراء ويجذبهم إلى القراءة.

من جانبه، ينوّه الباحث محمد بوكراس، إلى حتمية بعث وترقية  وصون التراث اللامادي الذي هو التراث الحي، والذي يعتبر  المصدر الرئيس للتنوع الثقافي لأنه يشمل كل الممارسات والتعابير والمعارف والمهارات، والآلات والأدوات وحتى الفضاءات الثقافية المرتبطة بها، ذلك أن انتقال هذا التراث عبر الأجيال، يضمن دوام هويتها وأصالتها.

تشكيلة من الصور والفيديوهات بعدسة: محمد إيوانوغن

كامـل الشيرازي

Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.