إدارات كثيرة ومؤسسات عمومية ونقابات وجمعيات ومنظمات من المجتمع المدني تم تجنيدها لمساعدة المترشح عبد العزيز بوتفليقة لجمع التوقيعات المطلوبة للانتخابات الرئاسية المقبلة. كما تم تسخير وسائل الدولة لنفس الغرض.
وهناك موظفون يتعرضون لضغوط رهيبة، ولابتزاز في بعض الأحيان، لإرغامهم على التوقيع على استمارات الرئيس المترشح. لأن جمع التوقيعات بالنسبة لأنصار بوتفليقة هو مؤشر على « التفاف الشعب » حول مرشحهم بالرغم من عدم ظهوره إلى العلن. فهم غير مكتفين بتوقيعات الـ600 منتخب التي هي في متناول يدهم، بحكم امتلاك الأحزاب الموالية للرئيس لوعاء كبير جدا من كل أصناف المنتخبين. حملة جمع التوقيعات، افتتحها رسميا مناضلو أحزاب الموالاة. فبعد إعلان التجمع الوطني الديمقراطي عن انطلاق العملية، أكد حزب جبهة التحرير الوطني الانتهاء من جمع « مليوني توقيع »، وهو رقم يفوق عدد الأصوات التي حصل عليها عبد العزيز بوتفليقة في 2014.
لكن رمزية الرقم تبدو أهم بالنسبة لسلطة تسعى لسد العجز في الشرعية، وربما كذلك لتبرير الإعلان المرتقب لنسبة مشاركة مرتفعة. ولتحقيق المشاركة الكافية لما يشبه مبايعة الشعب، تستعمل الفرق الناشطة في الحملة الانتخابية لصالح بوتفليقة الأساليب القديمة المألوفة، وعلى رأسها الابتزاز. فمثلا في إحدى الوكالات التابعة لهيئة مختصة في التأمين الاجتماعي، طلب من الموظفين تقديم بطاقات تعريفهم. وبحسب شهادة أحدهم، قبلوا لأنهم تعودوا من الإدارة أن تطلب منهم وثائقهم. يروي ويقول: « لكننا عرفنا فيما يبعد أن بطاقاتنا استخدمت لأخذ أرقامنا لغرض ملأ استمارات التوقيع لصالح بوتفليقة ». ويشك هذا الموظف في كون أن السلطات تسعى إلى تحقيق هدف مزدوج: السماح لمرشح السلطة بحصد أكبر عدد ممكن من التوقيعات، والتقليص من حظوظ غيره من المرشحين لجمع توقيعات. ويعاني موظفون في مؤسسات عمومية أخرى من ضغوط من نوع آخر. نذكر على سبيل المثال، أن نقابيين منتسبين للاتحاد العام للعمال الجزائريين كلفوا بالاتصال بالعمال الأجراء لنيل توقيعاتهم. وفي هذا الصدد، كشف لنا موظفون يعملون في بنك عمومي، فضلوا عدم الكشف عن هويتهم: « سلم لنا النقابيون استمارات للتوقيع عليها، وبالمقابل وعدونا بزيادات في الأجور وبمزايا أخرى ».
وهناك حتى موظفين تفرغوا لتنشيط الحملة الانتخابية. ومنهم نجد مدراء مركزيين ومسئولين لخلايا إعلام وإطارات في بعض الوزارات والولايات، طلب منهم الالتحاق بالمديرية الوطنية أو بالمديريات المحلية للحملة الانتخابية لعبد العزيز بوتفليقة. بعضهم فعل ذلك عن انتهازية، فيما يخشى البعض الآخر من فقدان مناصبهم وامتيازاتهم. أما الموظفين الذين يعملون بعقود مؤقتة، فيطلب منهم مساندة بوتفليقة لقاء ترسيمهم في مناصبهم ومزايا آخرى. ضغوط وابتزاز وتضاف إلى هذه الأساليب القديمة أساليب أخرى ماكرة سبق وأن تم تجريبها. مثل ما قامت مديريات وفروع الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب (أونساج) التي نشرت بلاغا تحث فيه « المقاولين الشباب » إلى الاقتراب من مصالحها للحصول على قروض. وهذا يبدو أمرا عاديا. إلا أن الوثائق المذكورة توضح أنه حتى القطاعات التي كانت غير معنية في السابق بمساعدات الدولة، مثل نقل المسافرين أو البضائع، أصبحت الآن بقدرة قادر « مفتوحة » للشباب الباحث عن عمل.
هذه الالتفاتة تذكرنا بتصريحات عبد المالك سلال في عام 2014، عندما طلب من الشباب « الزواج » بقروض الأونساج غير القابلة للتسديد. من جانبه، صرّح وزير العمل مراد زمالي مؤخرا بأن البنوك لن تقاضي المقاولين الشباب الذين لم يسددوا ديونهم. وهي حيلة لجأت إليها السلطات لإقناع الشباب بالتصويت، والتصويت بوجه التحديد على بوتفليقة. ومن ضمن الأمثلة التي يمكن أن نسوقها في مجال تسخير إمكانيات الدولة لصالح الرئيس المترشح، نجد أيضا وسائل الإعلام الرسمية. فقناة التلفزيون العمومية والمحطات الإذاعية والصحف الحكومية لم تنتظر الموعد الرسمي لإطلاق الحملة الانتخابية لصالح رئيس الدولة. ويتجلى ذلك من خلال التغطية المستمرة للأنشطة الوزارية. بحيث كثف أعضاء الحكومة من زياراتهم الميدانية، وفي كل تدخلاتهم يستشهدون دائما بإنجازات عبد العزيز بوتفليقة. ويبدو أن التعليمات شملت كذلك الولاة الذين يحظون هم أيضا بتغطية وسائل الإعلام الحكومية. بالإضافة إلى الإعلام العمومي، لاحظنا أن الحملة الانتخابية لعبد العزيز بوتفليقة قد انطلقت أيضا في الأماكن العمومية. ففي الجزائر العاصمة ومدن أخرى، تشاهد صورٌ لرئيس الدولة كثيرة مكتوب عليها: « كلنا بوتفليقة » ملصوقة على نوافذ حافلات النقل الجامعي. كما تزيّن صور عملاقة لعبد العزيز بوتفليقة المباني العامة عبر الشوارع الرئيسية لمدن البلاد.
كل الوسائل مسخرة لفرض صورة رئيس غائب. ومن الغريب أن كل هذا يحدث بتواطؤ كامل من الهيئات المكلفة بمراقبة الانتخابات الرئاسية. فلم نسمع لهيئة الضبط للسمعي البصري أي رد فعل في هذا الشأن، مع أنها كان من المفترض أن تطلب تفسيرات من المؤسسة الوطنية للتلفزيون. كما لم يسمع تقريبا أي صوت للجنة « المستقلة » لمراقبة الانتخابات التي يرأسها عبد الوهاب دربال، مفضلة تذكير مرشحي المعارضة بضرورة
« تقديم أدلة » على اتهاماتهم. مع أن كل هذا يحدث على مراى ومسمع الجميع، بما في ذلك عبد الوهاب دربال.
ترجمة: م. عاشوري
إدارات كثيرة ومؤسسات عمومية ونقابات وجمعيات ومنظمات من المجتمع المدني تم تجنيدها لمساعدة المترشح عبد العزيز بوتفليقة لجمع التوقيعات المطلوبة للانتخابات الرئاسية المقبلة. كما تم تسخير وسائل الدولة لنفس الغرض.
وهناك موظفون يتعرضون لضغوط رهيبة، ولابتزاز في بعض الأحيان، لإرغامهم على التوقيع على استمارات الرئيس المترشح. لأن جمع التوقيعات بالنسبة لأنصار بوتفليقة هو مؤشر على « التفاف الشعب » حول مرشحهم بالرغم من عدم ظهوره إلى العلن. فهم غير مكتفين بتوقيعات الـ600 منتخب التي هي في متناول يدهم، بحكم امتلاك الأحزاب الموالية للرئيس لوعاء كبير جدا من كل أصناف المنتخبين. حملة جمع التوقيعات، افتتحها رسميا مناضلو أحزاب الموالاة. فبعد إعلان التجمع الوطني الديمقراطي عن انطلاق العملية، أكد حزب جبهة التحرير الوطني الانتهاء من جمع « مليوني توقيع »، وهو رقم يفوق عدد الأصوات التي حصل عليها عبد العزيز بوتفليقة في 2014.
لكن رمزية الرقم تبدو أهم بالنسبة لسلطة تسعى لسد العجز في الشرعية، وربما كذلك لتبرير الإعلان المرتقب لنسبة مشاركة مرتفعة. ولتحقيق المشاركة الكافية لما يشبه مبايعة الشعب، تستعمل الفرق الناشطة في الحملة الانتخابية لصالح بوتفليقة الأساليب القديمة المألوفة، وعلى رأسها الابتزاز. فمثلا في إحدى الوكالات التابعة لهيئة مختصة في التأمين الاجتماعي، طلب من الموظفين تقديم بطاقات تعريفهم. وبحسب شهادة أحدهم، قبلوا لأنهم تعودوا من الإدارة أن تطلب منهم وثائقهم. يروي ويقول: « لكننا عرفنا فيما يبعد أن بطاقاتنا استخدمت لأخذ أرقامنا لغرض ملأ استمارات التوقيع لصالح بوتفليقة ». ويشك هذا الموظف في كون أن السلطات تسعى إلى تحقيق هدف مزدوج: السماح لمرشح السلطة بحصد أكبر عدد ممكن من التوقيعات، والتقليص من حظوظ غيره من المرشحين لجمع توقيعات. ويعاني موظفون في مؤسسات عمومية أخرى من ضغوط من نوع آخر. نذكر على سبيل المثال، أن نقابيين منتسبين للاتحاد العام للعمال الجزائريين كلفوا بالاتصال بالعمال الأجراء لنيل توقيعاتهم. وفي هذا الصدد، كشف لنا موظفون يعملون في بنك عمومي، فضلوا عدم الكشف عن هويتهم: « سلم لنا النقابيون استمارات للتوقيع عليها، وبالمقابل وعدونا بزيادات في الأجور وبمزايا أخرى ».
وهناك حتى موظفين تفرغوا لتنشيط الحملة الانتخابية. ومنهم نجد مدراء مركزيين ومسئولين لخلايا إعلام وإطارات في بعض الوزارات والولايات، طلب منهم الالتحاق بالمديرية الوطنية أو بالمديريات المحلية للحملة الانتخابية لعبد العزيز بوتفليقة. بعضهم فعل ذلك عن انتهازية، فيما يخشى البعض الآخر من فقدان مناصبهم وامتيازاتهم. أما الموظفين الذين يعملون بعقود مؤقتة، فيطلب منهم مساندة بوتفليقة لقاء ترسيمهم في مناصبهم ومزايا آخرى. ضغوط وابتزاز وتضاف إلى هذه الأساليب القديمة أساليب أخرى ماكرة سبق وأن تم تجريبها. مثل ما قامت مديريات وفروع الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب (أونساج) التي نشرت بلاغا تحث فيه « المقاولين الشباب » إلى الاقتراب من مصالحها للحصول على قروض. وهذا يبدو أمرا عاديا. إلا أن الوثائق المذكورة توضح أنه حتى القطاعات التي كانت غير معنية في السابق بمساعدات الدولة، مثل نقل المسافرين أو البضائع، أصبحت الآن بقدرة قادر « مفتوحة » للشباب الباحث عن عمل.
هذه الالتفاتة تذكرنا بتصريحات عبد المالك سلال في عام 2014، عندما طلب من الشباب « الزواج » بقروض الأونساج غير القابلة للتسديد. من جانبه، صرّح وزير العمل مراد زمالي مؤخرا بأن البنوك لن تقاضي المقاولين الشباب الذين لم يسددوا ديونهم. وهي حيلة لجأت إليها السلطات لإقناع الشباب بالتصويت، والتصويت بوجه التحديد على بوتفليقة. ومن ضمن الأمثلة التي يمكن أن نسوقها في مجال تسخير إمكانيات الدولة لصالح الرئيس المترشح، نجد أيضا وسائل الإعلام الرسمية. فقناة التلفزيون العمومية والمحطات الإذاعية والصحف الحكومية لم تنتظر الموعد الرسمي لإطلاق الحملة الانتخابية لصالح رئيس الدولة. ويتجلى ذلك من خلال التغطية المستمرة للأنشطة الوزارية. بحيث كثف أعضاء الحكومة من زياراتهم الميدانية، وفي كل تدخلاتهم يستشهدون دائما بإنجازات عبد العزيز بوتفليقة. ويبدو أن التعليمات شملت كذلك الولاة الذين يحظون هم أيضا بتغطية وسائل الإعلام الحكومية. بالإضافة إلى الإعلام العمومي، لاحظنا أن الحملة الانتخابية لعبد العزيز بوتفليقة قد انطلقت أيضا في الأماكن العمومية. ففي الجزائر العاصمة ومدن أخرى، تشاهد صورٌ لرئيس الدولة كثيرة مكتوب عليها: « كلنا بوتفليقة » ملصوقة على نوافذ حافلات النقل الجامعي. كما تزيّن صور عملاقة لعبد العزيز بوتفليقة المباني العامة عبر الشوارع الرئيسية لمدن البلاد.
كل الوسائل مسخرة لفرض صورة رئيس غائب. ومن الغريب أن كل هذا يحدث بتواطؤ كامل من الهيئات المكلفة بمراقبة الانتخابات الرئاسية. فلم نسمع لهيئة الضبط للسمعي البصري أي رد فعل في هذا الشأن، مع أنها كان من المفترض أن تطلب تفسيرات من المؤسسة الوطنية للتلفزيون. كما لم يسمع تقريبا أي صوت للجنة « المستقلة » لمراقبة الانتخابات التي يرأسها عبد الوهاب دربال، مفضلة تذكير مرشحي المعارضة بضرورة
« تقديم أدلة » على اتهاماتهم. مع أن كل هذا يحدث على مراى ومسمع الجميع، بما في ذلك عبد الوهاب دربال.
ترجمة: م. عاشوري
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.