لوحات جدارية محتفية بأندية رياضية مشهورة تملأ واجهات أحياء العاصمة. في غياب البطولة ونبض المدرجات، أصبحت الجدران مكانًا جديدًا يعبّر فيها عن نفسه شباب حر ومبدع.
الجزائر، حي بلوزداد. الساعة تشير إلى حوالي الخامسة مساء، وأبواق السيارات تنطلق من كل مكان في الشارع الرئيسي لهذا الحي التاريخي. الأطفال وكبار السن في كل زاوية، يثرثرون ويضحكون بصوت عال. الساعة تضج بالحياة. على طول النهج المتكوّن من مباني كولونيالية، تمتد إلى غاية الرويسو، تتدلى لافتات ووايات بين المباني القديمة، في حين تزيّن لوحات جدارية الجدران الباهتة والمتصدعة. من العقيبة مرورا بسرفانتيس والحامة، كل بلوزداد مزدانة بالأحمر والأبيض. الشباب الرياضي لبلوزداد موجود في قلب الحي. يقول عمر وهو شاب في العشرينات من أنصار النادي: « النادي جزء من الحي والحي جزء من النادي ». بالإضافة إلى ألوان النادي واللوحات الجدارية، تهيمن على الحي الثوري صورة المسؤول الأول للمنظمة الخاصة، محمد بلوزداد، كما لو أنّه لا يزال يحرس، حتى اليوم، هذه البلدية التي تحمل اسمه. لاصقات تحمل صورته منتشرة في جميع الساحات والأزقة تقريبًا.
يستسرل عمر في حديثه ويقول: « طاڤات السي ار بي متميزة نوعا ما عن الأندية الأخرى »، موضحًا أنه « في تاريخ الشباب، لا توجد كرة القدم فقط، ولهذا تلاحظ اللوحات الجدارية التي ليس لها علاقة مباشرة بالنادي وغنما لها علاقة بالحي وماضيه الثوري، فخرنا جميعا ». بدليل أن هناك جداريات أكملها مخصصة لهذا الغرض برسائل فقط، مثل: « بلوزداد هو تراث أجدادنا » و »الأحمر هو أوكسجيني » و »نحن أبناء بلوزداد ». هذا الفخر، لا يدخّر أنصار الشباب أي جهد لاستعراضه. ويمضسي عمر في سرده: « بدأ تقليد الاحتفال بانتصاراتنا في عام 1995 بالأعلام. منذ ذلك الحين، بدأت المسألة تأخذ حجما أكبر. مثلا، في 2017، عندما كنا متأهلين للتصفيات النهائية، صنعنا أكثر من 300 لافتة ». أما الطاڤات، فيقول أنها حديثة نوعا ما. « بدأنا قبل بضع سنوات، ومعظم الطاڤات تعود في الواقع إلى العام الماضي. نحاول أن نتكيف مع عصرنا ». على الواجهات الكبيرة، رسمت صور عملاقة تمثل لاعبين سابقين مثل الأسطوري حسن لالماس وأسماء أخرى أقرب إلينا مثل إسحاق علي موسى، المعروف برأسياته المذهلة، والملقب بـ « الرأس الذهبية ».
من هذه الزاوية يفسر مشجع آخر لشباب بلوزداد، رضا، في الثلاثين من عمره، سبب انتشار صور « الرواد الذين ساهموا في كتابة تاريخ الحي والنادي ». كما رسم الأنصار على العديد من اللوحات الجدارية، على طريقة رسوم « المانغا » بألوان الشباب ومرفقة بشعارات مثل » ناو بيرو.. ناو بارتي » ، التي تعني « لا احتفال بدون شماريخ »، وشعار آخر « البطل الحقيقي هو من يقاتل الجميع ». إلا أن هناك مشجعا مشهورا يبرز في هذا الديكور، ألا وهو ياماها، واسمه الحقيقي حسين دهيمي. ولقد خصصت لوحة جدارية كاملة تكريما له. يقول رضا: « إنه رمز في مجاله ومعروف وطنيا ودوليا. كان يمتاز بحبه وتعصبه للنادي. هو وحده يشكل ظاهرة في المدرجات. عندما كان يدخل الملعب، يلهبه. كان يرمز لسعادة الأنصار »، مضيفا بنبرة متحسرة أن « ظلامية العشرية السوداء قتلت كل ما له علاقة بالجمال ».
(1).jpg)
« يماها » الشهي
خلف هذه الرسومات، يوجد أنصار وجمعيات، وأيضًا « الألترا » الذين يسعون لتقديم جدارية « متقنة الصنع »، على عكس طاڤات الأنصار المتميزة بالعفوية، كما يقول رضا.
يضيف المشجع الشاب: « هناك نوعان من الطاڤات، تلك التي صممها رسامون مستقلون يرغبون في الكشف عن مواهبهم، وتلك التي يضنعها المتعصبون من الأنصار بإمكانياتهم لنقل أفكارهم الخاصة أو رسائلهم أو ببساطة لإحياء ذكرى معينة ». نفس الأجواء سائدة في الحييّين الأسطوريين الآخرين في الجزائر العاصمة، القصبة وباب الواد. في قلب الحي الشعبي، بساحة الثلاث ساعات، جدارية متميزة عن المولودية تحتل واجهة بأكملها لإحدى البنايات. جولة سريعة في الحي تكشف لنا أيضًا عن عدد هائل من الإشارات أو الطاقات التي لم تظهر بشكل عفوي، بحسب مروان، في الأربعينات وهو رئيس جمعية أصدقاء ومحبي مولودية الجزائر. « لقد ساهمت معظم الشخصيات المرسومة في تاريخ المولودية، ونحييهم بهذه الطريقة في ذكرى تأسيس النادي، الذي سيحتفل بمرور مائويته العام المقبل ».
من شارع ميزون إلى حي نيلسون، مرورا بساحة الشهداء إلى غاية باب جديد، اللونان الأخضر والأحمر يهيمنان كل الفضاءات. في ساحة الحاج مريزق في القصبة السفلى، تحمل جدارية كبيرة صور رائدي الموسيقى الشعبية العاصمية، الحاج محمد العنقاء إلى جانب الحاج مريزق، بجاب شعار المولودية.
تحكي هذه الأماكن تاريخا من خلال اللوحات الجدارية الكاملة والعديدة، التي أقيمت تكريما لشخصيات رمزية تركت بصماتها على العميد، في مجال الفن مثل الموسيقى والتاريخ. ويرى مروان أن « المولودية هو أول ناد إسلامي وأن مؤسسيها شهداء ». ويتابع: « تم إنشاء النادي تحت التأثير الثوري، وكان وسيلة لمحاربة الاستعمار ». الصور المتعددة هي صور لاعبين سابقين مثل سماعيل خباطو وعلي باسطا، والحبيب سكندراني زبن عبد الوهاب محمود ومحمد بوراس. كما أن هناك صورا لكسيرين قدماء ولأعضاء مؤسسين: أحمد جعوت وعبد الرحمن عوف المدعو بابا حمود.

بوعلام رحال شهيد المقصل
كما حصل فنانون مثل عمار الزاهي ورويشد على نصيبهم من اللوحات الجدارية، لكن الوجوه المهيمنة هي وجوه الشهداء، ومعظمهم غير معروفة عند عامة الناس. يقول مروان: « يريد هذا الجيل معرفة التاريخ ويبذل مساعي لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات. يقوم شبابنا بالبحث من خلال قراءة المقالات والبحث عن صور الشهداء لرسمها بعد ذلك، ونحن فخورون بهم ». ومن بين الشهداء جدارية فرحاني محمد الذي انضم عام 1953 إلى الجمعية الإسلامية في ذلك الوقت، المولودية الشعبية الجزائرية، قبل انضمامه، في العام التالي، إلى صفوف جبهة التحرير الوطني في منطقة الجزائر الحرة. يروي لنا حميدو دريش، ابن أخ المسير واللاعب السابق براهم دريش « سقط في ميدان الشرف يوم 12 فيفري 1957، خلال هجوم شنه الجيش الاستعماري الفرنسي ». تم رسم شهيد آخر في وسط مدينة القصبة، مسقط رأس مولودية الجزائر. هو بوعلام رحال، « أعدم بالمقصلة في 20 جوان 1957 في سجن سركاجي وهو في سن التاسعة عشرة »، مشيراً إلى أنه « تم تزوير شهادة ميلاده بحيث كبّر بعشرة أشهر حتى يكون إعدامه قانونيا. »
وفي القصبة دائماً، يعرف حي سوسطارة « المغلق » بانتسابه إلى اتحاد العاصمة. يقول باديدو مبتسمًا: « هناك طبعا المولودية، لكن الغالبية من الاتحاد ». باستثناء بعض الشوارع الملونة حديثا والمزينة بالنباتات، فإن البورتريهات والجداريات الملونة بالأسود والأحمر مرسومة في وسط ذابل وأدراج مهترئة ومساكن مهددة بالسقوط وعلى جدران شاحبة ومظلمة. لهذا لم يشذ حي سوسطارة الآهل بالسكان عن القاعدة، فسارع أنصار الاتحاد هم أيضا لاحتلال شوارع لرسم تاريخهم.
الأنصار و »أولاد الحومة » هم وراء هذه المبادرة. ويؤكد باديدو مؤسس صفحة « الاتحاد ـ سوسطارة » على الفيسبوك: « الجميع يساهم حتى نتمكن من طلاء وتزيين حينا قليلاً، لأن الجدران كلها متآكلة ومتسخة ».
هذه اللوحات الجدارية أوهبت حياة جديدة للحي. شعارات تحمل هوية النادي وأخرى مكتوبة بخط اليد وصور عملاقة مثل اصورة أيقونة الفريق السابق في السبعينيات جمال كدو. وخلافاً لأنصار الشباب الذين يركزون في رسوماتهم على الأحداث والبطولة، بالنسبة لمحبي الاتحاد فإن إشاراتهم « لا علاقة لها بأحداث البطولة ». مصطفى، وهو موظف ومناصر في الأربعين، يوضح ذلك ويقول: « عندما نحقق انتصارا ما، فإننا نعبر عن ذلك ونحتفل به بشكل مختلف. نفضل الرسومات التي تبرز تاريخ النادي ».
أمام اللوحة الجدارية التي تعرض صورة كبيرة لمحمد بودية، المرسومة بالكامل على واجهة سينما « الجمال »، التي كانت تسمى سابقًا « سينما مونبنسيي »، في شارع دبيح شريف، منعرج روفيغو سابقا، يأسف باديدو على كون أن « محمد بودية لم يذكر كثيرا في التاريخ. مع أنّه خدم القضية الجزائرية من خلال فدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني وشارك في الحركة الوطنية الجزائرية ». مصطفى يدعم قوله مضيفا أنه « دافع عن القضية الفلسطينية وكان شغوفا فنيا بالمسرح، بمسرحيتين كبيرتين في رصيده: « الزيتونة » و »مواليد ». رموز منسية أخرى للثورة عادت هي الأخرى وأعيد نسخها في المساحة الجدارية للحي، منهم مسؤولون في منطقة الجزائر الحرة، من بينهم عبد الرحمن عرباجي وعبد القادر بوديسة المدعو « شيشوة » ، ورشيد فرحاوي المدعو « رشيد راد ».

العنقا وحاج مريزق
الفراغ الذي ساد بعد ظهور وباء كوفيد 19، الذي أدى إلى توقف البطولة وتبعا لذلك إلى غلق الملاعب، دفع « الشباب لتحفيز إبداعهم ووضعه في خدمة أحيائهم. يقول رضا: « إن الطاقات هي وسيلة للتعبير عن الذات ولإبراز مشاعرهم ». رأي يوافقه مروان الذي يشير إلى أنه « يجب ألا ننسى أن المدرجات كانت مكاننا الوحيد للتعبير، من خلال الأهازيج والتيفو ». ولكن « منذ غلق الملاعب بسبب الوباء، وجد الشباب طريقة للتعبير عن أنفسهم من خلال اللافتات لإظهار وطنيتهم على وجه الخصوص ».
وقد ذهب بعض أنصار اتحاد العاصمة إلى حد لقاء عائلات وأقارب الشهداء من أجل إجاز تقارير فيديو. ومنهم باديدو الذي أنشأ صفحة « إيسما سوسطارا »، التي ينشر فيها استطلاعاته التي ينجزها مع أصدقائه من عشاق اتحاد العاصمة. على حد الآن التقوا بنجل محمد بودية، ومؤخرا بنجل الثوري سيد علي لعبادي. يقول باديدو: « استغلينا الوقت المتاح لنا في الحجر الصحي لإعداد ربورتاجات ورسومات وبالتالي تسليط الضوء على الشهداء الذين لا يزالون مجهولين إلى حد اليوم. »
إذا كانت المنافسة قد توقفت، إلا أن التنافس بين أنصار الأندية العاصمية أبعد من أن يتوقف. والمنافسة مستمرة بثوب جديد. يقول باديدو في هذا الصدد: « في السابق، كانت المنافسة في الملعب، والآن بعد تعليقها، أحييناها بطريقة أخرى »، مضيفًا أن « الجميع يبتكر طريقته الخاصة. هم (أنصار المولودية) بدأوا بالطاقات، أما نحن قمنا بربورتاجات. كلّ بطريقتهم الخاصة « . ولقد انعكس هذا التسابق العفوي إيجابيًا على الأندية وأنصارها.
« هذا الفراغ دفع بالأنصار إلى البحث في التاريخ للتنافس مع الأندية الأخرى. اليوم، يسعى كل منّا لإثبات أن هذه الشخصية أو تلك الأخرى تدعم ناديه. على سبيل المثال، جاء أنصار المولودية إلى منزل كمال مسعودي لمعرفة ما إذا كان يحب مولودية الجزائر أو اتحاد العاصمة. من جانبنا سنزور منزل ديدوش مراد قريباً ».
لم تكن حركة الألترا (أو المتعصبين) معروفة في الأندية الجزائرية إلا في السنوات القليلة الأخيرة. وتتميز بلافتاتها وأشرطتها وأهازيجها لمناصرة فريقهم، وكان ذلك تحت التأثير فرق الأنثار الإيطالية. تتألف هذه الفرق من مشجعين صغار وكبار وبطالين ولطن حتى من إطارات وجامعيين، وفيها نواة من المتعصبين تتكفل بالتحضير لكل لقاء وتنظيم الاحتفالات . يضم العميد أربع ألترا هي : « أيلترا توالفث بليير » منذ 2011، والقرصان الخضر التي أنشئت في 2012، و »حب والعقلية » منذ 2019، بينما يضم شباب بلوزداد فريق ألترا واحد هو « إلترا فناتيكس ريدس ». ومن مبادء الألترا التمويل الذاتي، حيث كل نشاطاتهم ولافتتاتهم وتنقلاتهم تموّل بدفع الاشتراكات وبيع المنتجات المشتقة من النادي.
لكي تصبح من الألترا يجب أن تتوفر فيك عدة معايير. « أولاً، يجب أن تكون تحت رعاية أحد الأعضاء، هذه وهي القاعدة. ثم، كل ألترا له طريقته في التجنيد. عليك أن تعرف النادي وتاريخه، وهذا أمر ضروري. يجب أن تكون معروفًا في المدرجات بحضور المباريات بشكل منتظم، وكذلك التنقلات. هذه هي الطريقة المثلى للقبول من قبل فريق ألترا »، كما يوضح وليد وهو عضو سابق في الألترا، مشيرا أيضا إلى أن « أي مشجع ليس عضوًا في الألترا يمكنه الجلوس بجوارهم، لكنه لن يتمكن من التلويح بالراية أو القميص ». بالإضافة إلى مبدأ التمويل الذاتي، فإن الألترا معروفون بأنه لا يتواصلون مع وسائل الإعلام. يرفضون الظهور تحت الأضواء، وإذا وافقوا على إجراء مقابلة معهم ، فلا يفعلون ذلك بالوجه المكشوف.
إلى جانب كرة القدم، يتفق الأنصار على أنه من الواجب قبل كل شيء الاحتفاظ بالذاكرة. يقول مصطفى أن « الجيل الجديد لا يعرف الشخصيات العظيمة، لذا فإننا نخلدهم للحفاظ على أسمائهم ».
إنهم فخورون كثيرا بهذه الشخصيات المرموقة التي تركت بصمة لا تمحى في تاريخ أنديتهم. والجدران مثل المدرجات، واللوحات مثل الأهازيج تروي نفس التاريخ ونفس الحب. يختم رضا مشجع الشباب حديثه بالقول: « نحن نمتاز بهذا الحماس الثوري، ونريد أن تعرّف الأجيال القادمة بتاريخ الحي وناديه. »
الشيء المشتر ك بين كل هؤلاء المشجعين المتحمسين هو أنهم يعبّرون عن تمسكهم بناديهم مهما كانت الظروف. وغايتهم أن يستمروا في رسم ألوان ناديهم وفتح صفحات التاريخ التي لم تكن لهم يوما في كتبهم المدرسية، ويعيدون الشهداء المنسيين إلى الحياة من جديد، الشهداء الذي ضحوا بحياتهم من أجل أن يعيش هذا الجيل، سواء كان أحمرا أو أخضرا أو أسودا…
ربورتاج من إعداد: سهام بن مالك
ترجمة: م. عاشوري
لوحات جدارية محتفية بأندية رياضية مشهورة تملأ واجهات أحياء العاصمة. في غياب البطولة ونبض المدرجات، أصبحت الجدران مكانًا جديدًا يعبّر فيها عن نفسه شباب حر ومبدع.
الجزائر، حي بلوزداد. الساعة تشير إلى حوالي الخامسة مساء، وأبواق السيارات تنطلق من كل مكان في الشارع الرئيسي لهذا الحي التاريخي. الأطفال وكبار السن في كل زاوية، يثرثرون ويضحكون بصوت عال. الساعة تضج بالحياة. على طول النهج المتكوّن من مباني كولونيالية، تمتد إلى غاية الرويسو، تتدلى لافتات ووايات بين المباني القديمة، في حين تزيّن لوحات جدارية الجدران الباهتة والمتصدعة. من العقيبة مرورا بسرفانتيس والحامة، كل بلوزداد مزدانة بالأحمر والأبيض. الشباب الرياضي لبلوزداد موجود في قلب الحي. يقول عمر وهو شاب في العشرينات من أنصار النادي: « النادي جزء من الحي والحي جزء من النادي ». بالإضافة إلى ألوان النادي واللوحات الجدارية، تهيمن على الحي الثوري صورة المسؤول الأول للمنظمة الخاصة، محمد بلوزداد، كما لو أنّه لا يزال يحرس، حتى اليوم، هذه البلدية التي تحمل اسمه. لاصقات تحمل صورته منتشرة في جميع الساحات والأزقة تقريبًا.
يستسرل عمر في حديثه ويقول: « طاڤات السي ار بي متميزة نوعا ما عن الأندية الأخرى »، موضحًا أنه « في تاريخ الشباب، لا توجد كرة القدم فقط، ولهذا تلاحظ اللوحات الجدارية التي ليس لها علاقة مباشرة بالنادي وغنما لها علاقة بالحي وماضيه الثوري، فخرنا جميعا ». بدليل أن هناك جداريات أكملها مخصصة لهذا الغرض برسائل فقط، مثل: « بلوزداد هو تراث أجدادنا » و »الأحمر هو أوكسجيني » و »نحن أبناء بلوزداد ». هذا الفخر، لا يدخّر أنصار الشباب أي جهد لاستعراضه. ويمضسي عمر في سرده: « بدأ تقليد الاحتفال بانتصاراتنا في عام 1995 بالأعلام. منذ ذلك الحين، بدأت المسألة تأخذ حجما أكبر. مثلا، في 2017، عندما كنا متأهلين للتصفيات النهائية، صنعنا أكثر من 300 لافتة ». أما الطاڤات، فيقول أنها حديثة نوعا ما. « بدأنا قبل بضع سنوات، ومعظم الطاڤات تعود في الواقع إلى العام الماضي. نحاول أن نتكيف مع عصرنا ». على الواجهات الكبيرة، رسمت صور عملاقة تمثل لاعبين سابقين مثل الأسطوري حسن لالماس وأسماء أخرى أقرب إلينا مثل إسحاق علي موسى، المعروف برأسياته المذهلة، والملقب بـ « الرأس الذهبية ».
من هذه الزاوية يفسر مشجع آخر لشباب بلوزداد، رضا، في الثلاثين من عمره، سبب انتشار صور « الرواد الذين ساهموا في كتابة تاريخ الحي والنادي ». كما رسم الأنصار على العديد من اللوحات الجدارية، على طريقة رسوم « المانغا » بألوان الشباب ومرفقة بشعارات مثل » ناو بيرو.. ناو بارتي » ، التي تعني « لا احتفال بدون شماريخ »، وشعار آخر « البطل الحقيقي هو من يقاتل الجميع ». إلا أن هناك مشجعا مشهورا يبرز في هذا الديكور، ألا وهو ياماها، واسمه الحقيقي حسين دهيمي. ولقد خصصت لوحة جدارية كاملة تكريما له. يقول رضا: « إنه رمز في مجاله ومعروف وطنيا ودوليا. كان يمتاز بحبه وتعصبه للنادي. هو وحده يشكل ظاهرة في المدرجات. عندما كان يدخل الملعب، يلهبه. كان يرمز لسعادة الأنصار »، مضيفا بنبرة متحسرة أن « ظلامية العشرية السوداء قتلت كل ما له علاقة بالجمال ».
(1).jpg)
« يماها » الشهي
خلف هذه الرسومات، يوجد أنصار وجمعيات، وأيضًا « الألترا » الذين يسعون لتقديم جدارية « متقنة الصنع »، على عكس طاڤات الأنصار المتميزة بالعفوية، كما يقول رضا.
يضيف المشجع الشاب: « هناك نوعان من الطاڤات، تلك التي صممها رسامون مستقلون يرغبون في الكشف عن مواهبهم، وتلك التي يضنعها المتعصبون من الأنصار بإمكانياتهم لنقل أفكارهم الخاصة أو رسائلهم أو ببساطة لإحياء ذكرى معينة ». نفس الأجواء سائدة في الحييّين الأسطوريين الآخرين في الجزائر العاصمة، القصبة وباب الواد. في قلب الحي الشعبي، بساحة الثلاث ساعات، جدارية متميزة عن المولودية تحتل واجهة بأكملها لإحدى البنايات. جولة سريعة في الحي تكشف لنا أيضًا عن عدد هائل من الإشارات أو الطاقات التي لم تظهر بشكل عفوي، بحسب مروان، في الأربعينات وهو رئيس جمعية أصدقاء ومحبي مولودية الجزائر. « لقد ساهمت معظم الشخصيات المرسومة في تاريخ المولودية، ونحييهم بهذه الطريقة في ذكرى تأسيس النادي، الذي سيحتفل بمرور مائويته العام المقبل ».
من شارع ميزون إلى حي نيلسون، مرورا بساحة الشهداء إلى غاية باب جديد، اللونان الأخضر والأحمر يهيمنان كل الفضاءات. في ساحة الحاج مريزق في القصبة السفلى، تحمل جدارية كبيرة صور رائدي الموسيقى الشعبية العاصمية، الحاج محمد العنقاء إلى جانب الحاج مريزق، بجاب شعار المولودية.
تحكي هذه الأماكن تاريخا من خلال اللوحات الجدارية الكاملة والعديدة، التي أقيمت تكريما لشخصيات رمزية تركت بصماتها على العميد، في مجال الفن مثل الموسيقى والتاريخ. ويرى مروان أن « المولودية هو أول ناد إسلامي وأن مؤسسيها شهداء ». ويتابع: « تم إنشاء النادي تحت التأثير الثوري، وكان وسيلة لمحاربة الاستعمار ». الصور المتعددة هي صور لاعبين سابقين مثل سماعيل خباطو وعلي باسطا، والحبيب سكندراني زبن عبد الوهاب محمود ومحمد بوراس. كما أن هناك صورا لكسيرين قدماء ولأعضاء مؤسسين: أحمد جعوت وعبد الرحمن عوف المدعو بابا حمود.

بوعلام رحال شهيد المقصل
كما حصل فنانون مثل عمار الزاهي ورويشد على نصيبهم من اللوحات الجدارية، لكن الوجوه المهيمنة هي وجوه الشهداء، ومعظمهم غير معروفة عند عامة الناس. يقول مروان: « يريد هذا الجيل معرفة التاريخ ويبذل مساعي لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات. يقوم شبابنا بالبحث من خلال قراءة المقالات والبحث عن صور الشهداء لرسمها بعد ذلك، ونحن فخورون بهم ». ومن بين الشهداء جدارية فرحاني محمد الذي انضم عام 1953 إلى الجمعية الإسلامية في ذلك الوقت، المولودية الشعبية الجزائرية، قبل انضمامه، في العام التالي، إلى صفوف جبهة التحرير الوطني في منطقة الجزائر الحرة. يروي لنا حميدو دريش، ابن أخ المسير واللاعب السابق براهم دريش « سقط في ميدان الشرف يوم 12 فيفري 1957، خلال هجوم شنه الجيش الاستعماري الفرنسي ». تم رسم شهيد آخر في وسط مدينة القصبة، مسقط رأس مولودية الجزائر. هو بوعلام رحال، « أعدم بالمقصلة في 20 جوان 1957 في سجن سركاجي وهو في سن التاسعة عشرة »، مشيراً إلى أنه « تم تزوير شهادة ميلاده بحيث كبّر بعشرة أشهر حتى يكون إعدامه قانونيا. »
وفي القصبة دائماً، يعرف حي سوسطارة « المغلق » بانتسابه إلى اتحاد العاصمة. يقول باديدو مبتسمًا: « هناك طبعا المولودية، لكن الغالبية من الاتحاد ». باستثناء بعض الشوارع الملونة حديثا والمزينة بالنباتات، فإن البورتريهات والجداريات الملونة بالأسود والأحمر مرسومة في وسط ذابل وأدراج مهترئة ومساكن مهددة بالسقوط وعلى جدران شاحبة ومظلمة. لهذا لم يشذ حي سوسطارة الآهل بالسكان عن القاعدة، فسارع أنصار الاتحاد هم أيضا لاحتلال شوارع لرسم تاريخهم.
الأنصار و »أولاد الحومة » هم وراء هذه المبادرة. ويؤكد باديدو مؤسس صفحة « الاتحاد ـ سوسطارة » على الفيسبوك: « الجميع يساهم حتى نتمكن من طلاء وتزيين حينا قليلاً، لأن الجدران كلها متآكلة ومتسخة ».
هذه اللوحات الجدارية أوهبت حياة جديدة للحي. شعارات تحمل هوية النادي وأخرى مكتوبة بخط اليد وصور عملاقة مثل اصورة أيقونة الفريق السابق في السبعينيات جمال كدو. وخلافاً لأنصار الشباب الذين يركزون في رسوماتهم على الأحداث والبطولة، بالنسبة لمحبي الاتحاد فإن إشاراتهم « لا علاقة لها بأحداث البطولة ». مصطفى، وهو موظف ومناصر في الأربعين، يوضح ذلك ويقول: « عندما نحقق انتصارا ما، فإننا نعبر عن ذلك ونحتفل به بشكل مختلف. نفضل الرسومات التي تبرز تاريخ النادي ».
أمام اللوحة الجدارية التي تعرض صورة كبيرة لمحمد بودية، المرسومة بالكامل على واجهة سينما « الجمال »، التي كانت تسمى سابقًا « سينما مونبنسيي »، في شارع دبيح شريف، منعرج روفيغو سابقا، يأسف باديدو على كون أن « محمد بودية لم يذكر كثيرا في التاريخ. مع أنّه خدم القضية الجزائرية من خلال فدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني وشارك في الحركة الوطنية الجزائرية ». مصطفى يدعم قوله مضيفا أنه « دافع عن القضية الفلسطينية وكان شغوفا فنيا بالمسرح، بمسرحيتين كبيرتين في رصيده: « الزيتونة » و »مواليد ». رموز منسية أخرى للثورة عادت هي الأخرى وأعيد نسخها في المساحة الجدارية للحي، منهم مسؤولون في منطقة الجزائر الحرة، من بينهم عبد الرحمن عرباجي وعبد القادر بوديسة المدعو « شيشوة » ، ورشيد فرحاوي المدعو « رشيد راد ».

العنقا وحاج مريزق
الفراغ الذي ساد بعد ظهور وباء كوفيد 19، الذي أدى إلى توقف البطولة وتبعا لذلك إلى غلق الملاعب، دفع « الشباب لتحفيز إبداعهم ووضعه في خدمة أحيائهم. يقول رضا: « إن الطاقات هي وسيلة للتعبير عن الذات ولإبراز مشاعرهم ». رأي يوافقه مروان الذي يشير إلى أنه « يجب ألا ننسى أن المدرجات كانت مكاننا الوحيد للتعبير، من خلال الأهازيج والتيفو ». ولكن « منذ غلق الملاعب بسبب الوباء، وجد الشباب طريقة للتعبير عن أنفسهم من خلال اللافتات لإظهار وطنيتهم على وجه الخصوص ».
وقد ذهب بعض أنصار اتحاد العاصمة إلى حد لقاء عائلات وأقارب الشهداء من أجل إجاز تقارير فيديو. ومنهم باديدو الذي أنشأ صفحة « إيسما سوسطارا »، التي ينشر فيها استطلاعاته التي ينجزها مع أصدقائه من عشاق اتحاد العاصمة. على حد الآن التقوا بنجل محمد بودية، ومؤخرا بنجل الثوري سيد علي لعبادي. يقول باديدو: « استغلينا الوقت المتاح لنا في الحجر الصحي لإعداد ربورتاجات ورسومات وبالتالي تسليط الضوء على الشهداء الذين لا يزالون مجهولين إلى حد اليوم. »
إذا كانت المنافسة قد توقفت، إلا أن التنافس بين أنصار الأندية العاصمية أبعد من أن يتوقف. والمنافسة مستمرة بثوب جديد. يقول باديدو في هذا الصدد: « في السابق، كانت المنافسة في الملعب، والآن بعد تعليقها، أحييناها بطريقة أخرى »، مضيفًا أن « الجميع يبتكر طريقته الخاصة. هم (أنصار المولودية) بدأوا بالطاقات، أما نحن قمنا بربورتاجات. كلّ بطريقتهم الخاصة « . ولقد انعكس هذا التسابق العفوي إيجابيًا على الأندية وأنصارها.
« هذا الفراغ دفع بالأنصار إلى البحث في التاريخ للتنافس مع الأندية الأخرى. اليوم، يسعى كل منّا لإثبات أن هذه الشخصية أو تلك الأخرى تدعم ناديه. على سبيل المثال، جاء أنصار المولودية إلى منزل كمال مسعودي لمعرفة ما إذا كان يحب مولودية الجزائر أو اتحاد العاصمة. من جانبنا سنزور منزل ديدوش مراد قريباً ».
لم تكن حركة الألترا (أو المتعصبين) معروفة في الأندية الجزائرية إلا في السنوات القليلة الأخيرة. وتتميز بلافتاتها وأشرطتها وأهازيجها لمناصرة فريقهم، وكان ذلك تحت التأثير فرق الأنثار الإيطالية. تتألف هذه الفرق من مشجعين صغار وكبار وبطالين ولطن حتى من إطارات وجامعيين، وفيها نواة من المتعصبين تتكفل بالتحضير لكل لقاء وتنظيم الاحتفالات . يضم العميد أربع ألترا هي : « أيلترا توالفث بليير » منذ 2011، والقرصان الخضر التي أنشئت في 2012، و »حب والعقلية » منذ 2019، بينما يضم شباب بلوزداد فريق ألترا واحد هو « إلترا فناتيكس ريدس ». ومن مبادء الألترا التمويل الذاتي، حيث كل نشاطاتهم ولافتتاتهم وتنقلاتهم تموّل بدفع الاشتراكات وبيع المنتجات المشتقة من النادي.
لكي تصبح من الألترا يجب أن تتوفر فيك عدة معايير. « أولاً، يجب أن تكون تحت رعاية أحد الأعضاء، هذه وهي القاعدة. ثم، كل ألترا له طريقته في التجنيد. عليك أن تعرف النادي وتاريخه، وهذا أمر ضروري. يجب أن تكون معروفًا في المدرجات بحضور المباريات بشكل منتظم، وكذلك التنقلات. هذه هي الطريقة المثلى للقبول من قبل فريق ألترا »، كما يوضح وليد وهو عضو سابق في الألترا، مشيرا أيضا إلى أن « أي مشجع ليس عضوًا في الألترا يمكنه الجلوس بجوارهم، لكنه لن يتمكن من التلويح بالراية أو القميص ». بالإضافة إلى مبدأ التمويل الذاتي، فإن الألترا معروفون بأنه لا يتواصلون مع وسائل الإعلام. يرفضون الظهور تحت الأضواء، وإذا وافقوا على إجراء مقابلة معهم ، فلا يفعلون ذلك بالوجه المكشوف.
إلى جانب كرة القدم، يتفق الأنصار على أنه من الواجب قبل كل شيء الاحتفاظ بالذاكرة. يقول مصطفى أن « الجيل الجديد لا يعرف الشخصيات العظيمة، لذا فإننا نخلدهم للحفاظ على أسمائهم ».
إنهم فخورون كثيرا بهذه الشخصيات المرموقة التي تركت بصمة لا تمحى في تاريخ أنديتهم. والجدران مثل المدرجات، واللوحات مثل الأهازيج تروي نفس التاريخ ونفس الحب. يختم رضا مشجع الشباب حديثه بالقول: « نحن نمتاز بهذا الحماس الثوري، ونريد أن تعرّف الأجيال القادمة بتاريخ الحي وناديه. »
الشيء المشتر ك بين كل هؤلاء المشجعين المتحمسين هو أنهم يعبّرون عن تمسكهم بناديهم مهما كانت الظروف. وغايتهم أن يستمروا في رسم ألوان ناديهم وفتح صفحات التاريخ التي لم تكن لهم يوما في كتبهم المدرسية، ويعيدون الشهداء المنسيين إلى الحياة من جديد، الشهداء الذي ضحوا بحياتهم من أجل أن يعيش هذا الجيل، سواء كان أحمرا أو أخضرا أو أسودا…
ربورتاج من إعداد: سهام بن مالك
ترجمة: م. عاشوري
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.
