يدعو الخبير في أنتروبولوجيا الصحىة، محمد مبتول، في هذا الحوار لضرورة « الخروج من المركزية الاستشفائية، معتبرا وباء « كوفيد 19 » ظاهرة إجتماعية قبل كل شيئ
ليبرتي: ما هي قراءتكم للإجراءات الجديدة لمكافحة انتشار فيروس كورونا التي أعلنتها الرئاسة يوم الخميس؟
محمد مبتول: يجب أن نخرج بسرعة من المركزية الاستشفائية التي أدركت حدودها بعد أن كشفت عن اكتظاظ أكبر مستشفياتنا، والإنهاك الذي أصاب الأطباء وهم يدفعون ثمن عزلتهم، ونقص الإمكانيات التقنية، وتنظيم بيروقراطي لنظامنا الصحي. بالإضافة إلى ذلك، إن تركيز الاتصال الرسمي على الجانب البيولوجي والقواعد التي يتعين تنفيذها أمر ضروري، ولكنها ليست كافية. إن وباء كوفيد 19 له بعد مجتمعي قوي وعميق ومتنوع حسب تنوع الفئات الاجتماعية. لذلك، لا يمكن الاستهانة بالبعد الاجتماعي والنفسي للمرض. ولا بد لنا من النظر إلى المجتمع كما هو بعراقيله وظروفه المعيشية وتطلعاته وصمته وجراحه المعنوية والرموز التي يستعملها للتعبير عن الألم. لا يمكن تغيير المجتمع بمرسوم. لا مناص من الاستماع إلى الممارسات الاجتماعية للأشخاص المتجذرين في تاريخ اجتماعي عميق جبلته المعاناة والمحن من كل أشكال. فالمجتمع لا يسير مثل جرة فارغة يجب ملؤها بالمواقف والمعارف حتى تعود الأمور إلى نصابها. إنه أكثر تعقيدًا من ذلك! ننسى أن أي مجتمع ينتج خيالًا، ويكوّن كل يوم تمثيلات اجتماعية مختلفة وكلها تفسيرات للإحساس بالخطر، وهو ليس نفس الاحساس الذي ينتجه الطب.
الإجراءات الوقائية في تزايد، لكن الفيروس يواصل انتشاره ويوقع المزيد من الضحايا. إلى ماذا تنسبون هذا العجز في احتواء الوباء؟
نحن ببساطة « نسينا » السكان الذين سارعنا إلى نعتهم بـ »غير المنضبطين » دون البحث عن الأسباب الجوهرية لسلوكهم. من جهة أخرى، يتعين علينا أن نولي اهتماما خاصا بالاستماع، ومراعاة ظروفهم الاجتماعية، والأخذ أيضا بأقوالهم ونظرتهم لهذا الفيروس غير المرئي. من الأمور الإيجابية التي لمسناها أن البعض اعترف أخيرًا بالدور الأساسي للعلوم الاجتماعية في فك رموز الأزمة الصحية ومختلف مقتضياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فخلال هذه المحنة العصيبة يمكن أن يكون للديمقراطية الصحية معنى وجدوى لكونها مكّنت من تجنّد وتضامن غالبية القوى الاجتماعية. إن الثقة ليست مجرد حالة، بل هي بناء اجتماعي يقتضي الاقتراب من الناس والإقناع والمناقشة وإعادة النظر في أسلوب التواصل الذي ظل خطيا ولا يكترث بفهم الآخر. من غير ذلك، فالخطر كبير في أن نبقى راكدين داخل حدودنا الرمزية والمعرفية، رافضين فهم العلاقات الاجتماعية القوية وغير المتكافئة التي تميز المجتمع الجزائري.
ينظر المسؤولون على القطاع الصحي إلى المجتمع باعتباره « مجموعة من السلوكيات » تتحوّل إلى « إلكترونات حرة » تسهّل لهم، من خلال تغطية مكثفة للفيروس، ضمان السيطرة الصحية على الفضاءات الاجتماعية. لكن الظاهر أنه لا يوجد مجتمع في حد ذاته، متقوقع على نفسه، لا تصيغه وتشكله السياسة التي تفرض معاييرها التسييرية وأنمطها الاجتماعية والتنظيمية محليا ووطنيا. أولا يجب أن تتغير مؤسساتنا، وأن تأخذ في الاعتبار طموحات السكان والعاملين في قطاع الصحة، وذلك بإعادة تنظيم تسييرهم الداخلي، ورفض الروتين والانطواء على الذات. الانفتاح على المجتمع مرتبط ارتباطًا وثيقًا بدمقرطة الإعلام الصحي، وبالاعتراف الاجتماعي بالعمل الصحي من جميع جوانبه، حتى داخل العائلات المنتجة أيضًا للصحة. أخيرًا، لابد من إجراء تعديلات اجتماعية وتنظيمية متعددة ضرورية لإنتاج نظام حياة جديد – الأرصفة المكسورة والأوساخ المرمية في كل مكان والبؤس المادي والمعنوي البادي في العديد من الأحياء واليأس والإنتاج السياسي المحليي للتباعد الاجتماعي عن السكان – يسمح بالتوصل إلى أشكال أخرى من تعبئة المجتمع، لا تقتصر على خطاب التوعية الذي يتجاهل كلام وممارسات السكان.
في تحقيقاتنا المختلفة، كان الناس يقولون لنا دائما: « لم يأت أحد للاستماع إلينا ويسمعونا نتكلم عن معاناتنا. » إن تحرير المجتمع يقتضي منحه الفرصة للتعبير عن نفسه وإعطاء معنى جديد لمتطلباته وإشراكه في عملية التكفل بالوباء. الانضباط الجماعي ليس حقيقة طبيعية تأتي من العدم، بل هو مرتبط بالاعتراف بالمواطنة، وبفتح مجال من الاحتمالات يعطي معنى لكرامة الشخص.
على الرغم من الحصيلة المروعة التي تقارب الألف ضحية في الجزائر والأضرار التي سجلت في بلدان أخرى، إلا أن قطاعا واسعا من السكان يمتنعون عن ارتداء الكمامة ومراعاة قواعد الوقاية. لماذا هذا في رأيكم؟
المجتمع وقع منذ عقود في قبضة النموذج العلاجي الذي يولي الأهمية القصوى للدواء والأفعال الطبية الفورية والتقنية الطبية، والألم العضوي، ونسي الوقاية الاجتماعية الصحية التي تعتبر علاقة اجتماعية ترتكز على الاستماع والاعتراف الاجتماعي بالآخر والتضامن والمسؤولية الجماعية والإقناع والاقتراب الاجتماعي، وليس الجغرافي فقط بين المهنيين الصحيين والمرضى.
في أي نظام وقائي معترف به، يتغير وضع المرضى. فهم ليسوا مرضى مجهولين أو متميزين، وإنما يتمتعون بمكانة المواطنين المستخدمين الذين لديهم القدرة المعترف بها على المشاركة بفعالية في عملية العلاج، مما يقتضي ضمنيًا دمقرطة نظام العلاج، وليس بيروقراطية تمحو كل ديناكية صحة اجتماعية أفقية. ترتكز الوقاية الصحية الاجتماعية على التفاعل الديناميكي والمناقشة. تعطي مدلولا مفيدا لمفهوم الخطر الذي تعترف به وتستوعبه مختلف الفئات السكانية. لأن استيعاب ثقافة الخطر ليس فقط مهمة طبية، بل هي أيضا مهمة اجتماعية وسياسية.
ليبرتي
ترجمة: م. عاشوري
يدعو الخبير في أنتروبولوجيا الصحىة، محمد مبتول، في هذا الحوار لضرورة « الخروج من المركزية الاستشفائية، معتبرا وباء « كوفيد 19 » ظاهرة إجتماعية قبل كل شيئ
ليبرتي: ما هي قراءتكم للإجراءات الجديدة لمكافحة انتشار فيروس كورونا التي أعلنتها الرئاسة يوم الخميس؟
محمد مبتول: يجب أن نخرج بسرعة من المركزية الاستشفائية التي أدركت حدودها بعد أن كشفت عن اكتظاظ أكبر مستشفياتنا، والإنهاك الذي أصاب الأطباء وهم يدفعون ثمن عزلتهم، ونقص الإمكانيات التقنية، وتنظيم بيروقراطي لنظامنا الصحي. بالإضافة إلى ذلك، إن تركيز الاتصال الرسمي على الجانب البيولوجي والقواعد التي يتعين تنفيذها أمر ضروري، ولكنها ليست كافية. إن وباء كوفيد 19 له بعد مجتمعي قوي وعميق ومتنوع حسب تنوع الفئات الاجتماعية. لذلك، لا يمكن الاستهانة بالبعد الاجتماعي والنفسي للمرض. ولا بد لنا من النظر إلى المجتمع كما هو بعراقيله وظروفه المعيشية وتطلعاته وصمته وجراحه المعنوية والرموز التي يستعملها للتعبير عن الألم. لا يمكن تغيير المجتمع بمرسوم. لا مناص من الاستماع إلى الممارسات الاجتماعية للأشخاص المتجذرين في تاريخ اجتماعي عميق جبلته المعاناة والمحن من كل أشكال. فالمجتمع لا يسير مثل جرة فارغة يجب ملؤها بالمواقف والمعارف حتى تعود الأمور إلى نصابها. إنه أكثر تعقيدًا من ذلك! ننسى أن أي مجتمع ينتج خيالًا، ويكوّن كل يوم تمثيلات اجتماعية مختلفة وكلها تفسيرات للإحساس بالخطر، وهو ليس نفس الاحساس الذي ينتجه الطب.
الإجراءات الوقائية في تزايد، لكن الفيروس يواصل انتشاره ويوقع المزيد من الضحايا. إلى ماذا تنسبون هذا العجز في احتواء الوباء؟
نحن ببساطة « نسينا » السكان الذين سارعنا إلى نعتهم بـ »غير المنضبطين » دون البحث عن الأسباب الجوهرية لسلوكهم. من جهة أخرى، يتعين علينا أن نولي اهتماما خاصا بالاستماع، ومراعاة ظروفهم الاجتماعية، والأخذ أيضا بأقوالهم ونظرتهم لهذا الفيروس غير المرئي. من الأمور الإيجابية التي لمسناها أن البعض اعترف أخيرًا بالدور الأساسي للعلوم الاجتماعية في فك رموز الأزمة الصحية ومختلف مقتضياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فخلال هذه المحنة العصيبة يمكن أن يكون للديمقراطية الصحية معنى وجدوى لكونها مكّنت من تجنّد وتضامن غالبية القوى الاجتماعية. إن الثقة ليست مجرد حالة، بل هي بناء اجتماعي يقتضي الاقتراب من الناس والإقناع والمناقشة وإعادة النظر في أسلوب التواصل الذي ظل خطيا ولا يكترث بفهم الآخر. من غير ذلك، فالخطر كبير في أن نبقى راكدين داخل حدودنا الرمزية والمعرفية، رافضين فهم العلاقات الاجتماعية القوية وغير المتكافئة التي تميز المجتمع الجزائري.
ينظر المسؤولون على القطاع الصحي إلى المجتمع باعتباره « مجموعة من السلوكيات » تتحوّل إلى « إلكترونات حرة » تسهّل لهم، من خلال تغطية مكثفة للفيروس، ضمان السيطرة الصحية على الفضاءات الاجتماعية. لكن الظاهر أنه لا يوجد مجتمع في حد ذاته، متقوقع على نفسه، لا تصيغه وتشكله السياسة التي تفرض معاييرها التسييرية وأنمطها الاجتماعية والتنظيمية محليا ووطنيا. أولا يجب أن تتغير مؤسساتنا، وأن تأخذ في الاعتبار طموحات السكان والعاملين في قطاع الصحة، وذلك بإعادة تنظيم تسييرهم الداخلي، ورفض الروتين والانطواء على الذات. الانفتاح على المجتمع مرتبط ارتباطًا وثيقًا بدمقرطة الإعلام الصحي، وبالاعتراف الاجتماعي بالعمل الصحي من جميع جوانبه، حتى داخل العائلات المنتجة أيضًا للصحة. أخيرًا، لابد من إجراء تعديلات اجتماعية وتنظيمية متعددة ضرورية لإنتاج نظام حياة جديد – الأرصفة المكسورة والأوساخ المرمية في كل مكان والبؤس المادي والمعنوي البادي في العديد من الأحياء واليأس والإنتاج السياسي المحليي للتباعد الاجتماعي عن السكان – يسمح بالتوصل إلى أشكال أخرى من تعبئة المجتمع، لا تقتصر على خطاب التوعية الذي يتجاهل كلام وممارسات السكان.
في تحقيقاتنا المختلفة، كان الناس يقولون لنا دائما: « لم يأت أحد للاستماع إلينا ويسمعونا نتكلم عن معاناتنا. » إن تحرير المجتمع يقتضي منحه الفرصة للتعبير عن نفسه وإعطاء معنى جديد لمتطلباته وإشراكه في عملية التكفل بالوباء. الانضباط الجماعي ليس حقيقة طبيعية تأتي من العدم، بل هو مرتبط بالاعتراف بالمواطنة، وبفتح مجال من الاحتمالات يعطي معنى لكرامة الشخص.
على الرغم من الحصيلة المروعة التي تقارب الألف ضحية في الجزائر والأضرار التي سجلت في بلدان أخرى، إلا أن قطاعا واسعا من السكان يمتنعون عن ارتداء الكمامة ومراعاة قواعد الوقاية. لماذا هذا في رأيكم؟
المجتمع وقع منذ عقود في قبضة النموذج العلاجي الذي يولي الأهمية القصوى للدواء والأفعال الطبية الفورية والتقنية الطبية، والألم العضوي، ونسي الوقاية الاجتماعية الصحية التي تعتبر علاقة اجتماعية ترتكز على الاستماع والاعتراف الاجتماعي بالآخر والتضامن والمسؤولية الجماعية والإقناع والاقتراب الاجتماعي، وليس الجغرافي فقط بين المهنيين الصحيين والمرضى.
في أي نظام وقائي معترف به، يتغير وضع المرضى. فهم ليسوا مرضى مجهولين أو متميزين، وإنما يتمتعون بمكانة المواطنين المستخدمين الذين لديهم القدرة المعترف بها على المشاركة بفعالية في عملية العلاج، مما يقتضي ضمنيًا دمقرطة نظام العلاج، وليس بيروقراطية تمحو كل ديناكية صحة اجتماعية أفقية. ترتكز الوقاية الصحية الاجتماعية على التفاعل الديناميكي والمناقشة. تعطي مدلولا مفيدا لمفهوم الخطر الذي تعترف به وتستوعبه مختلف الفئات السكانية. لأن استيعاب ثقافة الخطر ليس فقط مهمة طبية، بل هي أيضا مهمة اجتماعية وسياسية.
ليبرتي
ترجمة: م. عاشوري
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.