في تحليله لمكانة الجزائر في أسواق الغاز، أكد الخبير في حواره معنا، أن المشكلة الخطيرة التي نواجهها حاليا هي أن سوقنا الطبيعية، أوروبا، أصبحت شديد التنافسية، وتحكمها أهداف قصيرة المدى.
ليبرتي: توصلت منظمة الأوبك وحلفاؤها إلى خفض إنتاج البترول بمقدار 500 ألف برميل يوميا في أوائل ديسمبر. ويبدو أن السوق استجابت جيدا لهذا القرار، حيث ارتفعت الأسعار بشكل كبير إلى أكثر من 60 دولارا. هل سيستمر هذا الاتجاه التصاعدي؟
الدكتور مراد برور: الاتفاق الذي حصلت عليه الدول المشكلة لما يسمى « أوبك + »، أي الدول الأعضاء في الأوبك، والتي ترتبط بها عشر دول خارج أوبك حول روسيا، هي إشارة قوية باتجاه السوق. ذلك أن فائض العرض الناجم عن وصول النفط الصخري الأمريكي وحرب الأسعار التي أعلنتها أوبك، بإيعاز من المملكة العربية السعودية، أدى إلى إحداث اختلال دائم في توازن السوق عام 2014 وستظل آثارها كبيرة على المدى القصير. هذا، ويشار إلى أن مسار تثبيت الأسعار الذي انطلق في الجزائر في نوفمبر 2016 وتم تأكيدها منذ ذلك الحين، تعززأكثر في جوان، وازداد أكثر في الاجتماع الأخير لدول « أوبك + ».
يعتبر الإجماع الذي تم في الجزائر لجظة فارقة في المشهد النفطي، حيث تمثل هذه البلدان 90٪ من احتياطي العالم وأكثر من 50٪ من الإنتاج. وما جد في الساحة، من خلال هذا التقارب غير المسبوق، هو وجود محور قوي بين المملكة العربية السعودية وروسيا على خط الدفاع عن الأسعار، أي الحد من ‘العرض وتقسيم السوق إلى كارتلات. هذا البلدان ولأسباب متقاربة بحاجة إلى موارد مالية في المقام الأول، لأن انخفاض الأسعار تسبب لهما أزمة اقتصادية خطيرة.
المملكة العربية السعودية تعيش عامها السادس من العجز في الميزانية وهي حريصة على دعم الأسعار لفتح رأس مال شركة النفط « أرامكو » بنجاح. يتطلب تحقيق خطتها الطموحة « الرؤية 2030 » موارد مالية غير مضمونة اليوم. البلاد التي تمر علاوة على ذلك بفترة دقيقة لها صلة بالوراثة الملكية، تواجه صعوبات كبيرة لضمان السلم الاجتماعي في ظل اقتصاد ينظمه أساسا الريع. لذلك كان عليها أن تنضم إلى محور قوي من أجل خط دفاع عن الأسعار. وبفضل ذلك بقيت الأسعار ثابتة. كم من الوقت ستظل كذلك؟
هل تعتقدون أن الأوبك وشركائها سيواصلون العمل معا بطريقة منسقة؟ وما الذي جعل هذا التعاون ممكنا؟
يبدو لي أن هذا التعاون سيكون دائما للأسباب المذكورة أعلاه. ومع ذلك، فإنه لا يزال هشا. فيه تقارب بين المملكة العربية السعودية وروسيا بشأن عدد معين من النقاط: (1) يجب أن تظل أسعار النفط مربحة للمنتجين ، (2) يجب تقاسم التضحيات من أجل الحفاظ على هذا المستوى، بما في ذلك مع الدول المستهلكة، (3) يجب ألا ترتفع الأسعار إلى مستوى قد يقضي على الطلب، (4) يجب ألا تؤثر الأسعار على نمو الاقتصاد العالمي. إلا أن العوامل الخارجية كان لها تأثير على هذا التوافق.
العامل الرئيسي يتمثل في حيوية العرض خارج أوبك، ولا سيما النفط الصخري الأمريكي. معروف عن الإنتاج الأمريكي أنه يتميز بالمرونة نظرًا للخصائص التقنية والاقتصادية الخاصة بالمحروقات غير التقليدية حيث الاستثمارات (Capex) منخفضة، والتكاليف العملية (Opex) مرتفعة. إذا ارتفعت الأسعار، يتبعه الإنتاج، وإذا انخفضت الأسعار، يغلق المنتجون آبارهم ويهبط الإنتاج. بهذه الطريقة، انتزع النفط الصخري الأمريكي من أوبك دورها التاريخي كمنتج بديل يحرك السوق. في حين يتوقع أن يجلب النفط الصخري الأمريكي أكثر من 2 مليون برميل يوميًا إلى السوق في عام 2020. وبالتالي فإن إجماع الخبراء يقدر أن العرض يجب أن يظل فائضًا في 2020. وبزيادة الطلب فقط بمقدار 1، 2-1، 3 مليون برميل في اليوم، يتوقع انخفاض الطلب على بترول الأوبك، مما سيطرح من جديد مشكلة الانضباط داخل المنظمة.
تبقى هناك مصادر خوف أخرى…
ضبطت المملكة العربية السعودية إنتاجها في حدود 9.7 – 9.9 مليون برميل في اليوم، وتبقى مشكلة المنتجين الكبار الآخرين في الخليج التي تعاني من مشاكل جيوسياسية (إيران، العراق) وبحاجة ماسة إلى موارد مالية تحيل دون الوصول إليها هذه المشاكل على وجه التحديد. لذلك، هناك مصدران كبيران للخوف هما: الحيوية الكبيرة التي تميز العرض الآتي من خارج منظمة أوبك، وعدم الاستقرار الجيوسياسي الذي يهدد بإعادة توزيع الأوراق بعمق في حالة حدوث انفجار محتمل في الخليج.
هناك خوف ثالث، يبعث على التفاؤل بخصوص الأسعار، ويتمثل في النهاية السعيدة للحرب التجارية التي شنتها الولايات المتحدة ضد الصين مع آثارها الإيجابية على النمو العالمي. ولقد تم إرسال إشارات مشجعة من قبل المتنتافسين. أعتقد أن الواقعية ستحقق نتيجة وسيسود الهدوء على هذه الجبهة. لهذا يتوقع أن يكون الطلب أكثر ديناميكية مع تراجع ملحوظ في النمو العالمي. ويبدو أن الأسواق راهنت على هذا الخيار.
ومن المرتقب أن تدور الأسعار حول سعر محوري يقدر بـ 65 دولارا للبرميل في 2020، بل وستختبر سقف 70 دولارا إذا ساد الهدوء. ولا يمكن استبعاد حدوث كساد بسبب المخاطر التي تؤثر على النمو الأمريكي، والذي أصبح الآن « محرك » النمو العالمي، علما بأن أسعار الفائدة طويلة المدى انخفضت إلى أقل من أسعار الفائدة على المدى القصير، وهو ضوء أحمر يشير إلى أزمة خطيرة مقبلة. وفي هذه الحالة، هناك خطر حقيقي على أسعار النفط.
تزداد حدة المنافسة في سوق الغاز الأوروبي، في حين أن تنافس الغاز مع المنتجات البترولية في سوق الطاقة في تراجع. كيف ترون تطور سوق الغاز في السنوات القادمة؟ وأي مكان ستحتله الجزائر في هذه السوق؟
في الواقع، عرف سوق الغاز الأوروبي إعادة هيكلة كبرى في عام 1995، أي قبل 24 سنة، بتعليمة من الاتحاد الأوروبي خاص بالغاز. فأصبح تحرير سوق الغاز لا رجعة فيه وتحدى منطق المدى الطويل الذي كان يحكمه. سبق لي وأن حذرت، منذ مداخلتي في المؤتمر العالمي للغاز المنعقد في نيس عام 1999، وفي كتاباتي منذ ذلك الحين، من مخاطر التجارة على المدى الطويل التي تهيمن على عمليات تبادل الغاز مع القارة. فبمجرد أن يتعايش المنطق الفوري على المدى القصير مع منطق المدى الطويل، فإن الثاني هو في النهاية الذي سيوجه الأول.
اليوم، تمثل المعاملات الفورية 70 ٪ من تجارة الغاز في أوروبا. علاوة على ذلك، أصبح سوق الغاز الأوروبي منافسا شديدا مع وافدين جدد جد عدوانيين مثل قطر ونيجيريا والولايات المتحدة بشكل خاص. وغدا، سيكون هناك شرق البحر المتوسط وساحل شرق إفريقيا (موزمبيق، تنزانيا). استطاع الغاز الطبيعي المسال أن يفك العزلة على سوق الغاز ويتجه إلى إنشاء سوق عالمي للغاز مع حوض الأطلسي كمنطقة تحكيم. ونشهد زيادة في حجم ناقلات الغاز الطبيعي المسال (تصل إلى 000 260 متر مكعب) وتمديدا لمساراتها. يزداد الطلب على الغاز الطبيعي المسال بنسبة 13٪ سنويا والعرض 11.2٪. ولقد ساعدت ثورة الغاز الصخري الأمريكي على تسارع هذا الاتجاه. يسعى هذا البلد إلى أن يصبح المصدر الرئيسي للغاز الطبيعي المسال، قبل أستراليا التي تعتبر حاليا الأولى عالميا. توجد 102.4 مليون طن متري (مليون طن سنويًا) في الولايات المتحدة، 50.5 مليون طن متري في روسيا. وتمتلك قطر 77.8 مليون طن متري وتهدف إلى زيادة قدرتها، مع مشروع « رأس لفان 2″، إلى 100 مليون طن متري (مع الإشارة إلى أن المنشآت القطرية يسيّرها مهندسون جزائريون كوّنتهم سوناطراك)، وتمتلك أستراليا 88.8 مليون طن متري (أول مصدّر عالمي منذ عام 2018). وبالتالي، مع 69.9 مليون طن متري كمشاريع في عام 2019، سحدث زيادة المعروض في سوق الغاز الطبيعي المسال في حدود عام 2020. وهذا يعتبر مشكلة خطيرة، في حين أن الطلب الأوروبي على الغاز في حالة ركود. تمتلك أوروبا قدرات تخزين كبيرة وتميل إلى أن تصبح الجهة المنظمة لسوق الغاز العالمي الناشئة. فهو مستهدف من قبل عدة مصادر، كما رأينا، روسيا، الجزائر، قطر، النرويج، الولايات المتحدة، إفريقيا. لكن أكثر من ذلك، فإن الغاز في الشرق الأوسط المردود من آسيا بواسطة الغاز الأسترالي والأمريكي من ساحل المحيط الهادئ، سيمارس ضغوطًا على أوروبا، مما يزيد من القدرة التنافسية لهذا السوق.
هل يمكننا أن نعرف إلى أي مدى انخفضت حصتنا في السوق؟
ارتفعت حصتنا في هذا السوق من 16٪ في عام 2010 إلى 8٪ اليوم، على الرغم من أن العقود طويلة المدى مع شرط « خذ أو أدفع »، التي كانت أساس تجارتنا مع أوروبا، أصبحت الآن موضع خلاف. في حين أننا لا نملك الكميات اللازمة للدفاع عن حصتنا في السوق. ولا يجب أن ننسى أن أوروبا تمثل النسبة الكبرى من منافذ غازنا. يذهب 35٪ من غازنا إلى إيطاليا، و31٪ إلى إسبانيا، و7.8٪ إلى فرنسا، و8.4٪ إلى تركيا. المشكلة الخطيرة التي نواجهها الآن هي أن سوقنا الطبيعيىة، أوروبا، أصبحت جد تنافسية، ويحكمها منطق المدى القصير ومستهدفة من قبل وافدين جدد جد عدوانيين، لاسيما قطر والولايات المتحدة، في حين تقوم روسيا، رائدة السوق بحصة 25 ٪، بتعزيز موقعها من خلال مضاعفة خط أنابيب « نورث ستريم » إلى 110 مليار متر مكعب الذي يربطها بألمانيا عبر بحر البلطيق. تتراجع صادراتنا إلى 51 مليار متر مكعب في اليوم مقابل الذروة التي تبلغ حوالي 60 مليار متر مكعب، وقدرات التميع لدينا تبلغ 24 مليون طن متري. الأسباب معروفة، وتتمثل في وقف الاستثمارات في قطاع الغاز في المنبع لمدة خمسة عشر عاما، والتغييرات الطارئة في التشريعات التي أثارت، بالنسبة للمنبع الجزائري، نفور الشركات الدولية، كما تسبب في تزايد الطلب بشكل غير طبيعي (8٪ سنويا).
هناك ضرورة ملحة لاتخاذ إجراءات قوية إن لم نرد أن نطرد من من سوق الغاز الأوروبي (وهناك مؤشرات علىة ذلك). وفي صلب هذه الإجراءات يجب أن يكون تعزيز موقف سوناطراك حتى تتمكن من لعب دور حاسم في التحولات التي تؤثر على مشهد الغاز الدولي. إنها تمتلك الموارد والخبرة، علما بأن الغاز الطبيعي المسال هو الذي يحدد مشهد الغاز غدا. تتمتع سوناطراك، التي تدير سلاسل غازية من الآبار إلى محطات التمييع، بأغنى وأكمل تجربة في هذا المجال؟ لابد من تعزيز سوناطراك حتى تصبح فاعلا يحسب له ألف حساب في مجال الطاقة الدولي.
ليبرتي
ترجمة: م. عاشوري
في تحليله لمكانة الجزائر في أسواق الغاز، أكد الخبير في حواره معنا، أن المشكلة الخطيرة التي نواجهها حاليا هي أن سوقنا الطبيعية، أوروبا، أصبحت شديد التنافسية، وتحكمها أهداف قصيرة المدى.
ليبرتي: توصلت منظمة الأوبك وحلفاؤها إلى خفض إنتاج البترول بمقدار 500 ألف برميل يوميا في أوائل ديسمبر. ويبدو أن السوق استجابت جيدا لهذا القرار، حيث ارتفعت الأسعار بشكل كبير إلى أكثر من 60 دولارا. هل سيستمر هذا الاتجاه التصاعدي؟
الدكتور مراد برور: الاتفاق الذي حصلت عليه الدول المشكلة لما يسمى « أوبك + »، أي الدول الأعضاء في الأوبك، والتي ترتبط بها عشر دول خارج أوبك حول روسيا، هي إشارة قوية باتجاه السوق. ذلك أن فائض العرض الناجم عن وصول النفط الصخري الأمريكي وحرب الأسعار التي أعلنتها أوبك، بإيعاز من المملكة العربية السعودية، أدى إلى إحداث اختلال دائم في توازن السوق عام 2014 وستظل آثارها كبيرة على المدى القصير. هذا، ويشار إلى أن مسار تثبيت الأسعار الذي انطلق في الجزائر في نوفمبر 2016 وتم تأكيدها منذ ذلك الحين، تعززأكثر في جوان، وازداد أكثر في الاجتماع الأخير لدول « أوبك + ».
يعتبر الإجماع الذي تم في الجزائر لجظة فارقة في المشهد النفطي، حيث تمثل هذه البلدان 90٪ من احتياطي العالم وأكثر من 50٪ من الإنتاج. وما جد في الساحة، من خلال هذا التقارب غير المسبوق، هو وجود محور قوي بين المملكة العربية السعودية وروسيا على خط الدفاع عن الأسعار، أي الحد من ‘العرض وتقسيم السوق إلى كارتلات. هذا البلدان ولأسباب متقاربة بحاجة إلى موارد مالية في المقام الأول، لأن انخفاض الأسعار تسبب لهما أزمة اقتصادية خطيرة.
المملكة العربية السعودية تعيش عامها السادس من العجز في الميزانية وهي حريصة على دعم الأسعار لفتح رأس مال شركة النفط « أرامكو » بنجاح. يتطلب تحقيق خطتها الطموحة « الرؤية 2030 » موارد مالية غير مضمونة اليوم. البلاد التي تمر علاوة على ذلك بفترة دقيقة لها صلة بالوراثة الملكية، تواجه صعوبات كبيرة لضمان السلم الاجتماعي في ظل اقتصاد ينظمه أساسا الريع. لذلك كان عليها أن تنضم إلى محور قوي من أجل خط دفاع عن الأسعار. وبفضل ذلك بقيت الأسعار ثابتة. كم من الوقت ستظل كذلك؟
هل تعتقدون أن الأوبك وشركائها سيواصلون العمل معا بطريقة منسقة؟ وما الذي جعل هذا التعاون ممكنا؟
يبدو لي أن هذا التعاون سيكون دائما للأسباب المذكورة أعلاه. ومع ذلك، فإنه لا يزال هشا. فيه تقارب بين المملكة العربية السعودية وروسيا بشأن عدد معين من النقاط: (1) يجب أن تظل أسعار النفط مربحة للمنتجين ، (2) يجب تقاسم التضحيات من أجل الحفاظ على هذا المستوى، بما في ذلك مع الدول المستهلكة، (3) يجب ألا ترتفع الأسعار إلى مستوى قد يقضي على الطلب، (4) يجب ألا تؤثر الأسعار على نمو الاقتصاد العالمي. إلا أن العوامل الخارجية كان لها تأثير على هذا التوافق.
العامل الرئيسي يتمثل في حيوية العرض خارج أوبك، ولا سيما النفط الصخري الأمريكي. معروف عن الإنتاج الأمريكي أنه يتميز بالمرونة نظرًا للخصائص التقنية والاقتصادية الخاصة بالمحروقات غير التقليدية حيث الاستثمارات (Capex) منخفضة، والتكاليف العملية (Opex) مرتفعة. إذا ارتفعت الأسعار، يتبعه الإنتاج، وإذا انخفضت الأسعار، يغلق المنتجون آبارهم ويهبط الإنتاج. بهذه الطريقة، انتزع النفط الصخري الأمريكي من أوبك دورها التاريخي كمنتج بديل يحرك السوق. في حين يتوقع أن يجلب النفط الصخري الأمريكي أكثر من 2 مليون برميل يوميًا إلى السوق في عام 2020. وبالتالي فإن إجماع الخبراء يقدر أن العرض يجب أن يظل فائضًا في 2020. وبزيادة الطلب فقط بمقدار 1، 2-1، 3 مليون برميل في اليوم، يتوقع انخفاض الطلب على بترول الأوبك، مما سيطرح من جديد مشكلة الانضباط داخل المنظمة.
تبقى هناك مصادر خوف أخرى…
ضبطت المملكة العربية السعودية إنتاجها في حدود 9.7 – 9.9 مليون برميل في اليوم، وتبقى مشكلة المنتجين الكبار الآخرين في الخليج التي تعاني من مشاكل جيوسياسية (إيران، العراق) وبحاجة ماسة إلى موارد مالية تحيل دون الوصول إليها هذه المشاكل على وجه التحديد. لذلك، هناك مصدران كبيران للخوف هما: الحيوية الكبيرة التي تميز العرض الآتي من خارج منظمة أوبك، وعدم الاستقرار الجيوسياسي الذي يهدد بإعادة توزيع الأوراق بعمق في حالة حدوث انفجار محتمل في الخليج.
هناك خوف ثالث، يبعث على التفاؤل بخصوص الأسعار، ويتمثل في النهاية السعيدة للحرب التجارية التي شنتها الولايات المتحدة ضد الصين مع آثارها الإيجابية على النمو العالمي. ولقد تم إرسال إشارات مشجعة من قبل المتنتافسين. أعتقد أن الواقعية ستحقق نتيجة وسيسود الهدوء على هذه الجبهة. لهذا يتوقع أن يكون الطلب أكثر ديناميكية مع تراجع ملحوظ في النمو العالمي. ويبدو أن الأسواق راهنت على هذا الخيار.
ومن المرتقب أن تدور الأسعار حول سعر محوري يقدر بـ 65 دولارا للبرميل في 2020، بل وستختبر سقف 70 دولارا إذا ساد الهدوء. ولا يمكن استبعاد حدوث كساد بسبب المخاطر التي تؤثر على النمو الأمريكي، والذي أصبح الآن « محرك » النمو العالمي، علما بأن أسعار الفائدة طويلة المدى انخفضت إلى أقل من أسعار الفائدة على المدى القصير، وهو ضوء أحمر يشير إلى أزمة خطيرة مقبلة. وفي هذه الحالة، هناك خطر حقيقي على أسعار النفط.
تزداد حدة المنافسة في سوق الغاز الأوروبي، في حين أن تنافس الغاز مع المنتجات البترولية في سوق الطاقة في تراجع. كيف ترون تطور سوق الغاز في السنوات القادمة؟ وأي مكان ستحتله الجزائر في هذه السوق؟
في الواقع، عرف سوق الغاز الأوروبي إعادة هيكلة كبرى في عام 1995، أي قبل 24 سنة، بتعليمة من الاتحاد الأوروبي خاص بالغاز. فأصبح تحرير سوق الغاز لا رجعة فيه وتحدى منطق المدى الطويل الذي كان يحكمه. سبق لي وأن حذرت، منذ مداخلتي في المؤتمر العالمي للغاز المنعقد في نيس عام 1999، وفي كتاباتي منذ ذلك الحين، من مخاطر التجارة على المدى الطويل التي تهيمن على عمليات تبادل الغاز مع القارة. فبمجرد أن يتعايش المنطق الفوري على المدى القصير مع منطق المدى الطويل، فإن الثاني هو في النهاية الذي سيوجه الأول.
اليوم، تمثل المعاملات الفورية 70 ٪ من تجارة الغاز في أوروبا. علاوة على ذلك، أصبح سوق الغاز الأوروبي منافسا شديدا مع وافدين جدد جد عدوانيين مثل قطر ونيجيريا والولايات المتحدة بشكل خاص. وغدا، سيكون هناك شرق البحر المتوسط وساحل شرق إفريقيا (موزمبيق، تنزانيا). استطاع الغاز الطبيعي المسال أن يفك العزلة على سوق الغاز ويتجه إلى إنشاء سوق عالمي للغاز مع حوض الأطلسي كمنطقة تحكيم. ونشهد زيادة في حجم ناقلات الغاز الطبيعي المسال (تصل إلى 000 260 متر مكعب) وتمديدا لمساراتها. يزداد الطلب على الغاز الطبيعي المسال بنسبة 13٪ سنويا والعرض 11.2٪. ولقد ساعدت ثورة الغاز الصخري الأمريكي على تسارع هذا الاتجاه. يسعى هذا البلد إلى أن يصبح المصدر الرئيسي للغاز الطبيعي المسال، قبل أستراليا التي تعتبر حاليا الأولى عالميا. توجد 102.4 مليون طن متري (مليون طن سنويًا) في الولايات المتحدة، 50.5 مليون طن متري في روسيا. وتمتلك قطر 77.8 مليون طن متري وتهدف إلى زيادة قدرتها، مع مشروع « رأس لفان 2″، إلى 100 مليون طن متري (مع الإشارة إلى أن المنشآت القطرية يسيّرها مهندسون جزائريون كوّنتهم سوناطراك)، وتمتلك أستراليا 88.8 مليون طن متري (أول مصدّر عالمي منذ عام 2018). وبالتالي، مع 69.9 مليون طن متري كمشاريع في عام 2019، سحدث زيادة المعروض في سوق الغاز الطبيعي المسال في حدود عام 2020. وهذا يعتبر مشكلة خطيرة، في حين أن الطلب الأوروبي على الغاز في حالة ركود. تمتلك أوروبا قدرات تخزين كبيرة وتميل إلى أن تصبح الجهة المنظمة لسوق الغاز العالمي الناشئة. فهو مستهدف من قبل عدة مصادر، كما رأينا، روسيا، الجزائر، قطر، النرويج، الولايات المتحدة، إفريقيا. لكن أكثر من ذلك، فإن الغاز في الشرق الأوسط المردود من آسيا بواسطة الغاز الأسترالي والأمريكي من ساحل المحيط الهادئ، سيمارس ضغوطًا على أوروبا، مما يزيد من القدرة التنافسية لهذا السوق.
هل يمكننا أن نعرف إلى أي مدى انخفضت حصتنا في السوق؟
ارتفعت حصتنا في هذا السوق من 16٪ في عام 2010 إلى 8٪ اليوم، على الرغم من أن العقود طويلة المدى مع شرط « خذ أو أدفع »، التي كانت أساس تجارتنا مع أوروبا، أصبحت الآن موضع خلاف. في حين أننا لا نملك الكميات اللازمة للدفاع عن حصتنا في السوق. ولا يجب أن ننسى أن أوروبا تمثل النسبة الكبرى من منافذ غازنا. يذهب 35٪ من غازنا إلى إيطاليا، و31٪ إلى إسبانيا، و7.8٪ إلى فرنسا، و8.4٪ إلى تركيا. المشكلة الخطيرة التي نواجهها الآن هي أن سوقنا الطبيعيىة، أوروبا، أصبحت جد تنافسية، ويحكمها منطق المدى القصير ومستهدفة من قبل وافدين جدد جد عدوانيين، لاسيما قطر والولايات المتحدة، في حين تقوم روسيا، رائدة السوق بحصة 25 ٪، بتعزيز موقعها من خلال مضاعفة خط أنابيب « نورث ستريم » إلى 110 مليار متر مكعب الذي يربطها بألمانيا عبر بحر البلطيق. تتراجع صادراتنا إلى 51 مليار متر مكعب في اليوم مقابل الذروة التي تبلغ حوالي 60 مليار متر مكعب، وقدرات التميع لدينا تبلغ 24 مليون طن متري. الأسباب معروفة، وتتمثل في وقف الاستثمارات في قطاع الغاز في المنبع لمدة خمسة عشر عاما، والتغييرات الطارئة في التشريعات التي أثارت، بالنسبة للمنبع الجزائري، نفور الشركات الدولية، كما تسبب في تزايد الطلب بشكل غير طبيعي (8٪ سنويا).
هناك ضرورة ملحة لاتخاذ إجراءات قوية إن لم نرد أن نطرد من من سوق الغاز الأوروبي (وهناك مؤشرات علىة ذلك). وفي صلب هذه الإجراءات يجب أن يكون تعزيز موقف سوناطراك حتى تتمكن من لعب دور حاسم في التحولات التي تؤثر على مشهد الغاز الدولي. إنها تمتلك الموارد والخبرة، علما بأن الغاز الطبيعي المسال هو الذي يحدد مشهد الغاز غدا. تتمتع سوناطراك، التي تدير سلاسل غازية من الآبار إلى محطات التمييع، بأغنى وأكمل تجربة في هذا المجال؟ لابد من تعزيز سوناطراك حتى تصبح فاعلا يحسب له ألف حساب في مجال الطاقة الدولي.
ليبرتي
ترجمة: م. عاشوري
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.