« التنسيقية الوطنية الجامعيين الجزائريين من أجل التغيير »، هي تكتل يضم أساتذة وطلبة من مختلف جامعات الوطن منخرطون في الحراك الشعبي، بل هم في الصفوف الأمامية لهذه الثورة المستمرة منذ 22 فيفري من العام الماضي. وحددت التنسيقية من خلال هذا النداء أرضية مطالب تراها تجسد الطموحات المعبر عنها من قبل الجزائريين طيلة سنة من المسيرات والمظاهرات.
:النص الكامل للنداء
نداء إلى هبّة وطنية
مرة أخرى، يؤكد أعضاء التنسيقية الوطنية للجامعيين الجزائريين من أجل التغيير انتماءهم للحركة الشعبية، « الحراك »، والتزامهم بمُثُله ومنها بناء جمهورية ديمقراطية واجتماعية. وإننا لفخورون بما أنجزه الحراك منذ 22 فيفري 2019؛ هذا الحراك الذي عمل سلميا على تفكيك النظام السياسي المتهالك المستبد القائم منذ الاستقلال.
في مواجهة الأزمة الصحية الحالية التي تسببت فيها جائحة الكوفيد 19، اتخذ الحراك، إراديا، قرار تعليق مسيراته الأسبوعية وتجمعاته أمام المحاكم، مؤكدا بذلك وعيه المُواطنيّ. يبين هذا القرار بتعليق المسيرات أسبوعا، على الأقل، قبل قرار السلطة، أن الحراك قد تحمّل مسؤولياته وأنه لم يخضع لقرار السلطة هذا. كما أن وطنيّته وتعلقه بالانسجام الاجتماعي قد تجسّد من خلال التضامن مع الأكثر حرمانا ومع السلك الطبيّ.
لقد برهن الحراك هكذا على نضجه، لأنه ليس مجرد فورة غضب لأطفال جاحدين! بل إنه مسيرة شعب بكل أجياله وفئاته الاجتماعية من أجل إحلال دولة القانون.
وعلى عكس المتوقع، عمدت السلطة القائمة من جهتها ومنذ بداية الحجر الصحي إلى مضاعفة الأعمال والإجراءات الغادرة، آملة بذلك أن تشُلّ قوى الحراك بنشر الخوف. وهي تلجأ إلى استخدام العنف من أجل خنق المطالب المُعبّر عنها في وسائل التواصل الاجتماعي خوفا من أن تؤدي تلك المطالب إلى تحرّكات جماعية حال انتهاء الحجر الصحي. إن سلسلة الاعتقالات لحراكيين وصحفيّين، والمحاكمات التي تنتهك أبسط شروط القانون ممارسات تؤكد كلها رفض السلطة الاستماع لصوت المواطنات والمواطنين.
وإننا لَنُلاحظ أن السلطة تتشبث بأنماط حَكَامة فشِلت في مواجهة الرهانات الوطنية والدولية. إنها ترفض أن تأخذ بعين الاعتبار هزائمها وفشلها وأن تستخلص الدروس منها. وهكذا تؤكد هذه السلطة طابعها الاستبدادي وعاداتها البيروقراطية ودفاعها عن مصالح زبائنها الخاضعين بدورهم لمصالح قوى أجنبية تُشكّل سندها الوحيد.
ترفض هذه السلطة أن تتماهى مع مجتمع تقوم بتجريمه بإخضاع وسائل الإعلام العمومية عن طريق العنف، كما تتحايل وتُخاتِل بالارتكاز على أذنابها كما تقمع بالتعسّف في توظيف السلطة القضائية. إن كل هذه المُعاينات تكفي للتأكد من أن كلّ الأفراد الذين تتكون منهم هذه السلطة عاجزون تمام العجز عن بناء دولة تتوفر على مؤسسات شرعية وقانونية؛ لأن هدفهم الوحيد هو الاحتفاظ بالوضع الحالي عن طريق ممارسة القمع.
:لذا يجب علينا أن نتبيّن بدقّةِ الظروف التي نوجد فيها اليوم ورهانات الساعة
أرادت الحركة الشعبية من السلطة أن تعترف بها بكل مكوناتها وتعددها، وأن تردّ لها رواية وطنية تحترم تاريخها وثقافتها. لقد طالب المتظاهرون باسترجاع ذاكرتهم المُغيّبة، هذه الذاكرة التي خاضت مقاومات عديدة، مدوَّنة في سجلّ تاريخ طويل: تاريخ يجعل من الجزائريين شعبا عظيما.
أرادت الحركة الشعبية من السلطة أن تعترف بها في تنوّعها الاجتماعي وأن تسجّل الظروف الحقيقية التي فُرِضت على المواطنين بفعل ممارسة مجموعة من العُصب التي تعمل بالارتكاز على فئة زبائنيّة نهّابة. لقد أرادت الحركة الشعبية أن يشهد العالم بأكمله هذا الشعب السلمي، المُبْدِع، ذو العزيمة الصلبة التي أجبرت ممارساتُ السلطة شبابه أن يلقي بنفسه في مخاطر « الحرڤة » التي قد تكون مميته، بحثا عن وضع وأُفُق قد يضمن له حياة كريمة.
تطالب الحركة الشعبية بإقامة دولة مدنية لا دولة عسكرية، حتى لا يجد الشعب نفسه دائما في مواجهة التسلّط ولاشفافيّة السلطة. يريد الشعب أن يُحظى أخيرا بدولة معروفة تتوفّر على عنوان، دولة تضمن حقوق المواطنين وحرياتهم. لقد عبّر الحراك بوضوح عن إرادته في حلول جمهورية في الجزائر مؤسسة على مبدأ الفصل الفعلي بين السلطات: التنفيذية والتشريعية والقضائية.
نادت الحركة الشعبية بالصوت العالي أنها تريد أن تكون السلطة نابعة من الإرادةالشعبية لا أن تكون نتيجة التعيين الزبائني الخاضع لمنطق ما بعد استعماري
إن الحراك عندما حدّد هذه المطالب لم يفعل ذلك من موقع السذاجة. لقد كان يعرف التناقضات التي تَعْتمِل في مجتمعنا؛ لكنه كان يُدرك أن حلّها لا يمكن أن يتحقّق إلا عبر نضالات سياسية وإيديولوجية، ضمن فضاء سياسي تضمن فيه الدولة الحريات والمساواة بين المواطنين. إن هذه الشروط في رأينا هي وحدها التي يمكن أن تُحقّق مبدأ المساواة بين الرجال والنساء وبين كل الجزائريين.
لكن، ما هي الوضعية الحالية الحقيقية؟
كان يمكن لكل هذه الانتظارات أن تتحقق من خلال وضع نص أساسي يكون نابعا من الإرادة الشعبية وتضمنه دولة شرعية. لكن السلطة القائمة، عوض أن تدعم التعبير عن السيادة الشعبية، اتخذت قرار إحالة كتابة نص مشروع دستور على « اختصاصيين » لم تفتأ مصداقيتهم منذ البداية توضع موضع الشك، إذ كانوا قد ساهموا من قبل في كتابة نصوص سابقة في صالح السلطة القائمة. إن خضوع هؤلاء « الاختصاصيين » و »حياديتهم » المزعومة غير مقبولة البتّة. إن هذا النص لا يمكنولا يجب إلاّ أن يكون المعبّر عن إرادة الشعب.
لقد ظهرت هذه السلطة دون مشروع، ليس لها من همّ سوى الحفاظ على وضعها دون تغيير. وقد تجسّد ذلك خاصة من خلال قرارات ثلاثة من وزرائه؛ وزراء العدالة والاتصال والتعليم العالي الذين لم يفعلوا شيئا سوى مواصلة الممارسات السابقة التي تُخضِع المواطنين لأوامر الإدارة، إدارة الرقابة! إدارة القمع!
إن هذه الإدارة السياسية أبعد ما تكون عن تقديم أهدافها تقديما واضحا، بل إنها تُقلق المواطنين أشدّ القلق. إذ ما معنى دسترة تدخّل الجيش الوطني الشعبي خارج حدود الوطن؟ كيف ولماذا إدراج مشاركته، في النص الأساسي، في المعارك خارج حدودنا إلى جانب جيوش أجنبية؟ لقد سبق للجنرال جياب أن أكّد في الجزائر أن: «الإمبريالية تلميذ بليد لا يتعلّم من الدروس» وهو، رغم ذلك، لا يزال مصرا إصرارا على سلوكه ما بعد الكولونيالي في الجزائر! إنه لا زال حاضرا في وعينا وفي حياتنا، وهو بهذا يُضعف بلادنا ويمتصّ نُخَبنا ويّساعد على حصول الانقسامات العُصبيّة التي من شأنها أن تؤدي إلى تدمير أجهزة الدولة.
– لقد اعتُبِرت الجامعة، حتى يومنا هذا، من قِبل السلطات والحكومات المتعاقبة قطاعا عالة على ميزانية الدولة لا يؤثّر إلا تأثيرا سلبيا في اقتصاد البلاد إذ يتعيّش من مساعدات الدولة ولا يُساهم أبدا باعتباره قطاعا مُنتجا. غير أن الجزائر، مع الأسف، هي من أكثر المُصدّرين العالميين للموارد البشرية؛ ويعود « الفضل » في ذلك إلى جامعاتها وأساتذتها. وللتذكير فإن دُولا ومؤسسات صناعية أجنبية تستفيد في تطوّرها من عدد لا يستهان به من الأطباء الجزائريين المُختصين وكذلك من حاملي الشهادات العليا و قد أثبتوا كفاءاتهم في مختلف التخصصات؛ وما هذا إلا غيض من فيض. يجب أن تتغيّر هذه العقليّة ويجب أن يعود الاعتبار للبحث والتفكير من طريق الجامعة والجامعيين وذلك بإصدار قوانين تضمن حريّة التفكير والاقتراح.
يجب أن تستعيد الجامعة طبيعتها باعتبارها مركز النقاش والتفكير؛ الجامعة التي ظلت، حتى الآن، رهينة السلطة التنفيذية. إن الجامعة، إضافة إلى دورها في التكوين، مع تأثير ذلك غير المباشر في الاقتصاد، يجب أن يكون للبحث الجامعيّ فيها دور وتأثير مباشر على الاقتصاد والمجتمع. ولطالما تم التأكيد بقوّة منذ عشرات السنين، من قبل اختصاصيين جامعيين جزائريين، علماء اقتصاد وعلماء سياسة نُزهاء ومطّلعين اطلاعا حقيقيا على واقع الأمور، على ضرورة التخلّص من تبعيّتنا للمحروقات. إنه لمن الواجب تحرير الطاقات لأن بلادنا تنزف نزيفا
لم تعد سوناطراك إلا شبحا؛ وقد أصبح اسمها مرادفا للفساد والفضائح. كما أن الشؤون الخارجية، هذا الإرث الباهر للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ووريثة المثل الأعلى للاستقلال ومبدأ عدم الانحياز، أصبحت تُقاوِم بصعوبة بالغة.
هذه السلطة، مرة أخرى، لا تُقدّم أي اقتراح لخروج اقتصادنا من هذا الفخّ الشيطاني والقاتل ممثّلا في توزيع الريع الذي أفسد، في المرتبة الأولى، الطاقم السياسي، ولكنه أفسد أيضا جزءا من المجتمع، خاصة عندما نلاحظ خضوع جزء من النخبة التي وضعت نفسها في خدمة بقاء النظام على ما هو عليه. والواقع أنه لا يوجد قطاع في مأمن من هذا، ذلك أن سُلطة فاسدة هي، في الوقت نفسه، سلطة مُفسِدة.
تستأنف هذه السلطة خطابها الشعبوي، الأبوي والتسلّطي الذي درجت عليه، إنها تُعيد الاستحواذ بنشاط على القانون، وخاصة من خلال المادة التي تتعلّق بـ « المساس بالوحدة الوطنية »؛ ولم تتوان، من أجل تدعيم ممارساتها القمعيّة، عن الإقدام على تعديل قانون العقوبات! وقد انتهزت هذه السلطة الأزمة الصحية العالمية التي مثلتها جائحة الكوفيد 19 من أجل التقليص، إلى أقصى حد، من فضاءات الحرية التي انتزعتها نضالات سنة كاملة وتضحيات بذلها الحراك للمطالبة بالقطيعة مع النظام السياسي القائم.
لقد تحول الحراك « المبارك »، كما سماه رئيس السلطة القائمة، إلى « أقليّة » تسبّب الفوضى في المجتمع كما يقولون. وأصبح نُشطاؤه يُنعتون بالخونة، وبكونهم جواسيس حيث أن محاولة قلب النظام لم يعد له من مُبرّر كما يقولون. وهكذا تستعيد السلطة خطابها عن المؤامرة، فتتّهم السجناء وتسعى إلى عزلهم، وتُحاول الالتفاف على مطالب الحراك لتجعل من نفسها محورا مركزيا لتسيير المجتمع بطريقة تسلّطية. إنها تنخرط في « حرب » نشيطة ضد المواطنين.
لكل هذه الأسباب، فإن الخروج من الأزمة، الذي كان من المفروض أن يكون نتيجة عملية تأسيسية، لا يمكن أن يتلخّص في اقتراح إداري. يجب على السلطة أن تُحدّد أدوار كل من العدالة والجيش ومصالح الأمن، من أجل القطيعة النهائية مع الممارسات الخفيّة والغامضة ومع الخرق المتواصل للدستور.
إن اللحظة تتطلب إعادة بناء اللُّحمة، ذلك أن المجتمع قد تغيّر؛ وأصبح الخوف أمرا من الماضي. لقد اكتسبنا وعيا مُواطنيّا، ونحن الآن عازمون على انتزاع حقّنا كمواطنين، حقا يكرّسه الدستور. لكن تمشّي السلطة السياسية كما وصفناه يظهر لنا حاملا لمخاطر كبيرة على بلادنا. وإننا لا نفهم كون السلطة، في شهر ماي 2020 هذا، لم تلتفت إلى الخروقات والمخاطر الكبيرة التي تُعرّض بلادنا لها.
كيف سيكون مصيرنا ومصير أبنائنا؟ هل سيجدون أنفسهم مضطرين مرة أخرى ودائما للهجرة من أجل تأكيد مهاراتهم في ظل فضاءات أخرى؟ هل سيكونون مجرّد تابعين لجيوش أجنبية من قبيل إحياء فرق المحاربين الجزائريين (Tirailleurs) في الجيش الاستعماري؟ هل يجب عليهم، وقد أنهكتهم البطالة، أن يبحثوا عن موقع يضعون فيه الكرتون لقضاء الليل؟ إن هذه السلطة تشكل خطرا على البلاد.
إن أملنا الوحيد يرتكز على تصميمنا، على حقنا في المواطنة وعلى الهبّة الوطنيّة التي كانت كما في السابق – وفي اللحظات المفصلية في تاريخنا – هي العامل الحاسم
إن التنسيقية الوطنية للجامعيين الجزائريين من أجل التغيير، أمام أنماط السلوك اللامسؤولة هذه التي تضع، مرة أخرى، لُحمة ووحدة الأمة موضع الخطر، لا يمكن أن تسكُت. يجب أن نؤكد بصوت عال وبوعي تام أن حملات الاعتقال لن تفيد في إسكات شعب يُدفع دفعا إلى حافة اليأس! لذا، فإننا نندّد، مرة أخرى، التنديد الأقوى بحملة القمع الحمقاء هذه. كما نعبّر عن تضامننا مع كل المواطنات والمواطنين الموقوفين ونطالب بإطلاق سراحهم فورا.
إن التنسيقية الوطنية للجامعيين الجزائريين تدعو كل الأساتذة وكل فئات الشعب أن يواصلوا التعبير عن آرائهم. وإن التنسيقية الوطنية للجامعيين الجزائريين باعتبارها مكونا من مكونات الحراك، وفي انتظار توقف الحجر الصحيّ واستئناف المسيرات، تدعو الجزائريين والجزائريات إلى المحافظة على الوثبة التضامنية مع الأكثر حرمانا ومع أسلاك الصحّة وعلى الاستمرار في التعبير عن آرائهم والحرص على إبقاء جذوة فيفري 2019 حيّة متألّقة.
ولنبق مجنّدين من أجل جزائر حرة ديمقراطية مدنية ومن أجل دولة القانون. من أجل جزائر حرة ديمقراطية
الجزائر 13 ماي 2020
« التنسيقية الوطنية الجامعيين الجزائريين من أجل التغيير »، هي تكتل يضم أساتذة وطلبة من مختلف جامعات الوطن منخرطون في الحراك الشعبي، بل هم في الصفوف الأمامية لهذه الثورة المستمرة منذ 22 فيفري من العام الماضي. وحددت التنسيقية من خلال هذا النداء أرضية مطالب تراها تجسد الطموحات المعبر عنها من قبل الجزائريين طيلة سنة من المسيرات والمظاهرات.
:النص الكامل للنداء
نداء إلى هبّة وطنية
مرة أخرى، يؤكد أعضاء التنسيقية الوطنية للجامعيين الجزائريين من أجل التغيير انتماءهم للحركة الشعبية، « الحراك »، والتزامهم بمُثُله ومنها بناء جمهورية ديمقراطية واجتماعية. وإننا لفخورون بما أنجزه الحراك منذ 22 فيفري 2019؛ هذا الحراك الذي عمل سلميا على تفكيك النظام السياسي المتهالك المستبد القائم منذ الاستقلال.
في مواجهة الأزمة الصحية الحالية التي تسببت فيها جائحة الكوفيد 19، اتخذ الحراك، إراديا، قرار تعليق مسيراته الأسبوعية وتجمعاته أمام المحاكم، مؤكدا بذلك وعيه المُواطنيّ. يبين هذا القرار بتعليق المسيرات أسبوعا، على الأقل، قبل قرار السلطة، أن الحراك قد تحمّل مسؤولياته وأنه لم يخضع لقرار السلطة هذا. كما أن وطنيّته وتعلقه بالانسجام الاجتماعي قد تجسّد من خلال التضامن مع الأكثر حرمانا ومع السلك الطبيّ.
لقد برهن الحراك هكذا على نضجه، لأنه ليس مجرد فورة غضب لأطفال جاحدين! بل إنه مسيرة شعب بكل أجياله وفئاته الاجتماعية من أجل إحلال دولة القانون.
وعلى عكس المتوقع، عمدت السلطة القائمة من جهتها ومنذ بداية الحجر الصحي إلى مضاعفة الأعمال والإجراءات الغادرة، آملة بذلك أن تشُلّ قوى الحراك بنشر الخوف. وهي تلجأ إلى استخدام العنف من أجل خنق المطالب المُعبّر عنها في وسائل التواصل الاجتماعي خوفا من أن تؤدي تلك المطالب إلى تحرّكات جماعية حال انتهاء الحجر الصحي. إن سلسلة الاعتقالات لحراكيين وصحفيّين، والمحاكمات التي تنتهك أبسط شروط القانون ممارسات تؤكد كلها رفض السلطة الاستماع لصوت المواطنات والمواطنين.
وإننا لَنُلاحظ أن السلطة تتشبث بأنماط حَكَامة فشِلت في مواجهة الرهانات الوطنية والدولية. إنها ترفض أن تأخذ بعين الاعتبار هزائمها وفشلها وأن تستخلص الدروس منها. وهكذا تؤكد هذه السلطة طابعها الاستبدادي وعاداتها البيروقراطية ودفاعها عن مصالح زبائنها الخاضعين بدورهم لمصالح قوى أجنبية تُشكّل سندها الوحيد.
ترفض هذه السلطة أن تتماهى مع مجتمع تقوم بتجريمه بإخضاع وسائل الإعلام العمومية عن طريق العنف، كما تتحايل وتُخاتِل بالارتكاز على أذنابها كما تقمع بالتعسّف في توظيف السلطة القضائية. إن كل هذه المُعاينات تكفي للتأكد من أن كلّ الأفراد الذين تتكون منهم هذه السلطة عاجزون تمام العجز عن بناء دولة تتوفر على مؤسسات شرعية وقانونية؛ لأن هدفهم الوحيد هو الاحتفاظ بالوضع الحالي عن طريق ممارسة القمع.
:لذا يجب علينا أن نتبيّن بدقّةِ الظروف التي نوجد فيها اليوم ورهانات الساعة
أرادت الحركة الشعبية من السلطة أن تعترف بها بكل مكوناتها وتعددها، وأن تردّ لها رواية وطنية تحترم تاريخها وثقافتها. لقد طالب المتظاهرون باسترجاع ذاكرتهم المُغيّبة، هذه الذاكرة التي خاضت مقاومات عديدة، مدوَّنة في سجلّ تاريخ طويل: تاريخ يجعل من الجزائريين شعبا عظيما.
أرادت الحركة الشعبية من السلطة أن تعترف بها في تنوّعها الاجتماعي وأن تسجّل الظروف الحقيقية التي فُرِضت على المواطنين بفعل ممارسة مجموعة من العُصب التي تعمل بالارتكاز على فئة زبائنيّة نهّابة. لقد أرادت الحركة الشعبية أن يشهد العالم بأكمله هذا الشعب السلمي، المُبْدِع، ذو العزيمة الصلبة التي أجبرت ممارساتُ السلطة شبابه أن يلقي بنفسه في مخاطر « الحرڤة » التي قد تكون مميته، بحثا عن وضع وأُفُق قد يضمن له حياة كريمة.
تطالب الحركة الشعبية بإقامة دولة مدنية لا دولة عسكرية، حتى لا يجد الشعب نفسه دائما في مواجهة التسلّط ولاشفافيّة السلطة. يريد الشعب أن يُحظى أخيرا بدولة معروفة تتوفّر على عنوان، دولة تضمن حقوق المواطنين وحرياتهم. لقد عبّر الحراك بوضوح عن إرادته في حلول جمهورية في الجزائر مؤسسة على مبدأ الفصل الفعلي بين السلطات: التنفيذية والتشريعية والقضائية.
نادت الحركة الشعبية بالصوت العالي أنها تريد أن تكون السلطة نابعة من الإرادةالشعبية لا أن تكون نتيجة التعيين الزبائني الخاضع لمنطق ما بعد استعماري
إن الحراك عندما حدّد هذه المطالب لم يفعل ذلك من موقع السذاجة. لقد كان يعرف التناقضات التي تَعْتمِل في مجتمعنا؛ لكنه كان يُدرك أن حلّها لا يمكن أن يتحقّق إلا عبر نضالات سياسية وإيديولوجية، ضمن فضاء سياسي تضمن فيه الدولة الحريات والمساواة بين المواطنين. إن هذه الشروط في رأينا هي وحدها التي يمكن أن تُحقّق مبدأ المساواة بين الرجال والنساء وبين كل الجزائريين.
لكن، ما هي الوضعية الحالية الحقيقية؟
كان يمكن لكل هذه الانتظارات أن تتحقق من خلال وضع نص أساسي يكون نابعا من الإرادة الشعبية وتضمنه دولة شرعية. لكن السلطة القائمة، عوض أن تدعم التعبير عن السيادة الشعبية، اتخذت قرار إحالة كتابة نص مشروع دستور على « اختصاصيين » لم تفتأ مصداقيتهم منذ البداية توضع موضع الشك، إذ كانوا قد ساهموا من قبل في كتابة نصوص سابقة في صالح السلطة القائمة. إن خضوع هؤلاء « الاختصاصيين » و »حياديتهم » المزعومة غير مقبولة البتّة. إن هذا النص لا يمكنولا يجب إلاّ أن يكون المعبّر عن إرادة الشعب.
لقد ظهرت هذه السلطة دون مشروع، ليس لها من همّ سوى الحفاظ على وضعها دون تغيير. وقد تجسّد ذلك خاصة من خلال قرارات ثلاثة من وزرائه؛ وزراء العدالة والاتصال والتعليم العالي الذين لم يفعلوا شيئا سوى مواصلة الممارسات السابقة التي تُخضِع المواطنين لأوامر الإدارة، إدارة الرقابة! إدارة القمع!
إن هذه الإدارة السياسية أبعد ما تكون عن تقديم أهدافها تقديما واضحا، بل إنها تُقلق المواطنين أشدّ القلق. إذ ما معنى دسترة تدخّل الجيش الوطني الشعبي خارج حدود الوطن؟ كيف ولماذا إدراج مشاركته، في النص الأساسي، في المعارك خارج حدودنا إلى جانب جيوش أجنبية؟ لقد سبق للجنرال جياب أن أكّد في الجزائر أن: «الإمبريالية تلميذ بليد لا يتعلّم من الدروس» وهو، رغم ذلك، لا يزال مصرا إصرارا على سلوكه ما بعد الكولونيالي في الجزائر! إنه لا زال حاضرا في وعينا وفي حياتنا، وهو بهذا يُضعف بلادنا ويمتصّ نُخَبنا ويّساعد على حصول الانقسامات العُصبيّة التي من شأنها أن تؤدي إلى تدمير أجهزة الدولة.
– لقد اعتُبِرت الجامعة، حتى يومنا هذا، من قِبل السلطات والحكومات المتعاقبة قطاعا عالة على ميزانية الدولة لا يؤثّر إلا تأثيرا سلبيا في اقتصاد البلاد إذ يتعيّش من مساعدات الدولة ولا يُساهم أبدا باعتباره قطاعا مُنتجا. غير أن الجزائر، مع الأسف، هي من أكثر المُصدّرين العالميين للموارد البشرية؛ ويعود « الفضل » في ذلك إلى جامعاتها وأساتذتها. وللتذكير فإن دُولا ومؤسسات صناعية أجنبية تستفيد في تطوّرها من عدد لا يستهان به من الأطباء الجزائريين المُختصين وكذلك من حاملي الشهادات العليا و قد أثبتوا كفاءاتهم في مختلف التخصصات؛ وما هذا إلا غيض من فيض. يجب أن تتغيّر هذه العقليّة ويجب أن يعود الاعتبار للبحث والتفكير من طريق الجامعة والجامعيين وذلك بإصدار قوانين تضمن حريّة التفكير والاقتراح.
يجب أن تستعيد الجامعة طبيعتها باعتبارها مركز النقاش والتفكير؛ الجامعة التي ظلت، حتى الآن، رهينة السلطة التنفيذية. إن الجامعة، إضافة إلى دورها في التكوين، مع تأثير ذلك غير المباشر في الاقتصاد، يجب أن يكون للبحث الجامعيّ فيها دور وتأثير مباشر على الاقتصاد والمجتمع. ولطالما تم التأكيد بقوّة منذ عشرات السنين، من قبل اختصاصيين جامعيين جزائريين، علماء اقتصاد وعلماء سياسة نُزهاء ومطّلعين اطلاعا حقيقيا على واقع الأمور، على ضرورة التخلّص من تبعيّتنا للمحروقات. إنه لمن الواجب تحرير الطاقات لأن بلادنا تنزف نزيفا
لم تعد سوناطراك إلا شبحا؛ وقد أصبح اسمها مرادفا للفساد والفضائح. كما أن الشؤون الخارجية، هذا الإرث الباهر للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ووريثة المثل الأعلى للاستقلال ومبدأ عدم الانحياز، أصبحت تُقاوِم بصعوبة بالغة.
هذه السلطة، مرة أخرى، لا تُقدّم أي اقتراح لخروج اقتصادنا من هذا الفخّ الشيطاني والقاتل ممثّلا في توزيع الريع الذي أفسد، في المرتبة الأولى، الطاقم السياسي، ولكنه أفسد أيضا جزءا من المجتمع، خاصة عندما نلاحظ خضوع جزء من النخبة التي وضعت نفسها في خدمة بقاء النظام على ما هو عليه. والواقع أنه لا يوجد قطاع في مأمن من هذا، ذلك أن سُلطة فاسدة هي، في الوقت نفسه، سلطة مُفسِدة.
تستأنف هذه السلطة خطابها الشعبوي، الأبوي والتسلّطي الذي درجت عليه، إنها تُعيد الاستحواذ بنشاط على القانون، وخاصة من خلال المادة التي تتعلّق بـ « المساس بالوحدة الوطنية »؛ ولم تتوان، من أجل تدعيم ممارساتها القمعيّة، عن الإقدام على تعديل قانون العقوبات! وقد انتهزت هذه السلطة الأزمة الصحية العالمية التي مثلتها جائحة الكوفيد 19 من أجل التقليص، إلى أقصى حد، من فضاءات الحرية التي انتزعتها نضالات سنة كاملة وتضحيات بذلها الحراك للمطالبة بالقطيعة مع النظام السياسي القائم.
لقد تحول الحراك « المبارك »، كما سماه رئيس السلطة القائمة، إلى « أقليّة » تسبّب الفوضى في المجتمع كما يقولون. وأصبح نُشطاؤه يُنعتون بالخونة، وبكونهم جواسيس حيث أن محاولة قلب النظام لم يعد له من مُبرّر كما يقولون. وهكذا تستعيد السلطة خطابها عن المؤامرة، فتتّهم السجناء وتسعى إلى عزلهم، وتُحاول الالتفاف على مطالب الحراك لتجعل من نفسها محورا مركزيا لتسيير المجتمع بطريقة تسلّطية. إنها تنخرط في « حرب » نشيطة ضد المواطنين.
لكل هذه الأسباب، فإن الخروج من الأزمة، الذي كان من المفروض أن يكون نتيجة عملية تأسيسية، لا يمكن أن يتلخّص في اقتراح إداري. يجب على السلطة أن تُحدّد أدوار كل من العدالة والجيش ومصالح الأمن، من أجل القطيعة النهائية مع الممارسات الخفيّة والغامضة ومع الخرق المتواصل للدستور.
إن اللحظة تتطلب إعادة بناء اللُّحمة، ذلك أن المجتمع قد تغيّر؛ وأصبح الخوف أمرا من الماضي. لقد اكتسبنا وعيا مُواطنيّا، ونحن الآن عازمون على انتزاع حقّنا كمواطنين، حقا يكرّسه الدستور. لكن تمشّي السلطة السياسية كما وصفناه يظهر لنا حاملا لمخاطر كبيرة على بلادنا. وإننا لا نفهم كون السلطة، في شهر ماي 2020 هذا، لم تلتفت إلى الخروقات والمخاطر الكبيرة التي تُعرّض بلادنا لها.
كيف سيكون مصيرنا ومصير أبنائنا؟ هل سيجدون أنفسهم مضطرين مرة أخرى ودائما للهجرة من أجل تأكيد مهاراتهم في ظل فضاءات أخرى؟ هل سيكونون مجرّد تابعين لجيوش أجنبية من قبيل إحياء فرق المحاربين الجزائريين (Tirailleurs) في الجيش الاستعماري؟ هل يجب عليهم، وقد أنهكتهم البطالة، أن يبحثوا عن موقع يضعون فيه الكرتون لقضاء الليل؟ إن هذه السلطة تشكل خطرا على البلاد.
إن أملنا الوحيد يرتكز على تصميمنا، على حقنا في المواطنة وعلى الهبّة الوطنيّة التي كانت كما في السابق – وفي اللحظات المفصلية في تاريخنا – هي العامل الحاسم
إن التنسيقية الوطنية للجامعيين الجزائريين من أجل التغيير، أمام أنماط السلوك اللامسؤولة هذه التي تضع، مرة أخرى، لُحمة ووحدة الأمة موضع الخطر، لا يمكن أن تسكُت. يجب أن نؤكد بصوت عال وبوعي تام أن حملات الاعتقال لن تفيد في إسكات شعب يُدفع دفعا إلى حافة اليأس! لذا، فإننا نندّد، مرة أخرى، التنديد الأقوى بحملة القمع الحمقاء هذه. كما نعبّر عن تضامننا مع كل المواطنات والمواطنين الموقوفين ونطالب بإطلاق سراحهم فورا.
إن التنسيقية الوطنية للجامعيين الجزائريين تدعو كل الأساتذة وكل فئات الشعب أن يواصلوا التعبير عن آرائهم. وإن التنسيقية الوطنية للجامعيين الجزائريين باعتبارها مكونا من مكونات الحراك، وفي انتظار توقف الحجر الصحيّ واستئناف المسيرات، تدعو الجزائريين والجزائريات إلى المحافظة على الوثبة التضامنية مع الأكثر حرمانا ومع أسلاك الصحّة وعلى الاستمرار في التعبير عن آرائهم والحرص على إبقاء جذوة فيفري 2019 حيّة متألّقة.
ولنبق مجنّدين من أجل جزائر حرة ديمقراطية مدنية ومن أجل دولة القانون. من أجل جزائر حرة ديمقراطية
الجزائر 13 ماي 2020
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.