في هذا الحوار الحصري الذي أجريناه مع وزير الطاقة، السيد عبد المجيد عطار، تطرق لكل قضايا الساعة: خارطة الطريق الجديدة لقطاع الطاقة الوطني، أزمة النفط، ودور الأوبك…
ليبرتي: عرضتم مؤخرًا خارطة طريق جديدة لإنعاش قطاع الطاقة الوطني. ما هي الأولويات فيها وما الذي يبرر استراتيجية جديدة في هذا السياق بالتحديد؟
عبد المجيد عطار: ما يبررها أمر بسيط جدا ومعروف للجميع، هو انخفاض حجم الاحتياطي وانخفاض الإنتاج وانخفاض عائدات الصادرات، والارتفاع في استهلاك الطاقة. لذلك، بدلاً من البحث عن حل أو بديل لكل جانب من هذه الجوانب، اخترنا استراتيجية بسيطة للغاية تأخذ أولاً في الاعتبار حالة عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، والحالات الاستعجالية الداخلية على المدى القصير التي يجب مواجهتها بأي ثمن، وضرورة تسيير مواردنا واستغلالها بطريقة مختلفة تمامًا على المدى القريب وما بعد المدى المتوسط. وهذا هو الأهم، لأن حالات عدم الاستقرار المتعلقة بانتعاش اقتصادي عالمي محتمل، والتي ترتبط به سوق النفط للأسف، وحتى لو افترضنا انتهاء الوباء الحالي في عام 2021، فسوف يؤدي ذلك إلى تغييرات عميقة في نماذج التنمية الاقتصادية.
في مثل هذه الحالة، فإن استراتيجيتنا مستوحاة ببساطة من برنامج الحكومة. تتمثل في الحفاظ على القدرات الإنتاجية الحالية أولاً، ولكن بالتخفيف من تكاليف الإنتاج والأعباء غير الضرورية، وضمان التموين بالطاقة (خاصة الكهرباء والغاز الطبيعي) وإعطاء الأولوية للمستخدمين القادرين على خلق مناصب شغل وثروة، والمشاركة في جهود توفير الطاقة واستخدام الطاقات المتجددة، وهو محور استراتيجي مهم للغاية تقع على عاتق وزارة جديدة هي وزارة التحول الطاقوي والطاقات المتجددة، وأيضا إعادة تنظيم قطاع المحروقات في إطار قانون النفط الجديد، وسياسة الشراكة التنافسية، من أجل ضمان تطوير الإنتاج على المدى المتوسط، وتجديد احتياطياتنا، وضمان أمن الطاقة على المدى الطويل. وأول شيء ينبغي الشروع فيه هو تكييف أداة التكرير لزيادة إنتاج المحروقات وتقليل الواردات ثم وقفها نهائيا. كل محور من هذه المحاور يتجسد ببرنامج أو إجراءات ملموسة، مع ضبط آجال محددة.
لعل التحدي الأول بالنسبة الجزائر هو إنعاش إنتاجها المتناقص من المحروقات. ما هي وضعية الحقول الرئيسية في البلاد اليوم وماذا عن آفاق الاكتشافات الجديدة على المديين القصير والمتوسط؟
يجب الاعتراف بأن أكبر حقولنا قد تضررت على مدى عقدين بسبب الضخ السريع، ولكن للأسف لم يرفق بتدابير الحفظ وتجديد تقنيات الاستغلال. المسؤولية لا تقع على عاتق التقنيين والمهندسين الجزائريين في الميدان الذين يجب أن نحييهم على كل حال، ولكن يرجع ذلك إلى التأخير في تجديد تقنيات الاستغلال وغياب المبادرات في مجال تحسين معدلات الاسترجاع، من ناحية، وفي مجال التنمية من خلال التشغيل السريع للحقول الجديدة المكتشفة مهما كانت صغيرة، من ناحية أخرى. ويتعلق الأمر باحتياطيات مؤكدة، وقد تكون محتملة في بعض الأحيان، لكنها موجودة، وتتطلب فقط مبادرات بسيطة، وأحيانًا مبادرات ذات طابع إداري، فيما يتعلق فقط بمراقبة حالة الآبار المنتجة والنقص في تجديد الاحتياطيات من خلال جهود التنقيب التي تكفلت بها سوناطراك وحدها في النهاية، لانعدام أي تشجيع على الشراكة عملياً بسبب التشريعات والبيروقراطية السارية. هما الورشتان اللتان صممنا أكثر من أي وقت مضى على تحريكهما في أقرب وقت ممكن، وأؤكد لكم أن تعليمات رئيس الجمهورية واضحة جدًا في هذا الشأن.
ألا يرجح أن يؤدي التقليم الصارم الذي قررته السلطات العمومية على نفقات سوناطراك إلى الحد من قدرتها على الاستثمار والتنقيب عن النفط والغاز؟
قراءتي لتعليمات رئيس الجمهورية، وحتى لأهدافها، تختلف تماماً عن قرائتكم. التعليمات تشير إلى إلغاء النفقات والأعباء غير الضرورية، وصدقوني أن هناك نفقات كثيرة غير ضرورية، وأيضا إلى تخفيض تكاليف الاستغلال، وهنا أيضًا، هناك يمكن أن نقتصد الكثير، وإلى إعطاء الأولوية للتكامل الوطني، ولاسيما فيما يتعلق بالمناولة في جميع المجالات، بهدف التقليل من الواردات، وتأجيل الاستثمارات التي ليس لها أي تأثير فوري على قدرات الإنتاج أو التنمية، لصالح الشراكات في مجال التنقيب والمشاريع المهيكلة الكبرى لتخفيف العبء فيما يتعلق بالاستثمار على سوناطراك وإعادة تنظيم أنشطة سوناطراك وتركيزها على أعمالها الأساسية بقواعد أخلاقية عالمية.
لقد صرحتم مؤخرًا أنكم على استعداد للعمل بالقانون الجديد الخاص بالمحروقات مع أنكم غير مقتنعين حقًا بمضمونه وجدواه. ما هي النقاط الجيدة والسيئة في هذا القانون؟
ليس القانون هو الذي لم يقنعني، بل هو التأخير في إعداد المراسيم التطبيقية الثلاثة والأربعين هو ما أثار قلقي عندما أدليت بهذا التصريح. بدون هذه المراسيم، القانون يبقى جامدا. ومنذ ذلك الحين، قامت الوزارة على وجه السرعة بتشكيل فريق عمل لتدارك التأخير. ونحن في صدد تعبئة لا يقل عن 70 إطارا رفيعي المستوى منظمين في 7 مجموعات عمل ولجنة توجيهية، يعملون بشكل متواصل، حتى في عطلات نهاية الأسبوع لإنهاء هذا المشروع. ولقد تم إعداد 25 مرسوماً تنفيذياً في أقل من شهر ونصف، على أن يتم الانتهاء من الباقي قبل نهاية العام، وبعد ذلك يمكننا الشروع في حملة كبيرة لتعزيز الشراكة في المنبع والمصب. يأتي كل هؤلاء الإطارات جاؤوا من مصالح الوزارة والوكالات الوطنية (النفط، وكالة ضبط المحروقات، لجنة ضبط الكهرباء والغاز) وسونطراك. حتى أنني أخذت زمام المبادرة لإشراك إطارات سابقين في قطاع المحروقات، ذوي الخبرة المعترف بها، والذين يساعدوننا كثيرًا، وأغتنم هذه الفرصة لأشكرهم. إن هذا مجرد جهد بسيط للإنطلاق، ورجائي أن يستمر.
يثير القانون الجديد للمحروقات بعض المخاوف فيما يتعلق بمسألة سيادة البلاد على مواردها الطبيعية وثرواتها الباطنية. ماذا عن الأمر؟
لا يوجد خوف على الإطلاق من هذه المسألة لعدة أسباب. أولاً، لأن القانون يتوافق مع الدستور القديم والجديد، أي أن الثروات الباطنية هي وستظل دائمًا ملكًا للشعب. نذكرّ بأن 75٪ من إنتاج النفط والغاز الحالي توفره سوناطراك وحدها انطلاقا من نفس النسبة تقريبًا من الاحتياطي الذي تتحكم فيه. القانون الجديد للمحروقات لا يعمل بأثر رجعي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى سينطبق فقط على الاكتشافات المستقبلية. وحتى عندما يسمح للشركاء بتحويل عقد شراكة قائم إلى القانون الجديد، فإن هذا يتعلق فقط بالاحتياطي المتبقي في الشراكة وإنتاجه، مع العلم أيضًا أن نصيبهم في الإنتاج في هذا الاحتياطي في جميع الحالات هو أقل من 49 ٪، والتي تتوافق بشكل عام مع معدل 20 إلى 25 ٪ كحد أقصى من إجمالي الإنتاج كمكافأة واستهلاك.
كانت الشراكة مفيدة خلال أصعب السنوات (1990-2000) وساهمت في تجديد الاحتياطي دون الطعن في هذه السيادة. لم تعط نفس النتائج على مدى العقدين الماضيين، سواء في المنبع أو في المراحل النهائية، لأسباب تتعلق بعدم الاستقرار القانوني والإداري، ولكن أيضًا بسبب الظرف الاقتصادي العالمي غير المواتي، الذي تفاقم بسبب نقص القدرة التنافسية لبلدنا. ومن الممكن تماما تدارك هذا التأخير دون المخاطرة بالسيادة الوطنية.
ما هي التغييرات الأساسية التي تعتزمون إجراؤها لإعادة تنظيم أساليب الحوكمة وتسيير الشركة الوطنية سونطراك، التي تزعزعت بسبب قضايا الفساد وعدم الاستقرار الإداري؟
يجب أن تنبع التغييرات من الاستراتيجية المذكورة سابقا، ومن الأهداف التي سطرتها الحكومة. قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن هذا الأمر، لأنه سيعتمد أيضًا على المراجعة الجارية على مستوى الشركة. لكن الشيء المؤكد وهو أنه سيكون من الضروري حماية سونطراك وسونلغاز وتعزيز دورهما في إنعاش التنمية الاقتصادية للبلاد. ولكن في كل هذا، فإن الجانب الإنساني هو المهم: الكفاءات والنزاهة والإخلاص للمؤسسة، والأخلاق والإنصاف في متابعة السير المهنية. عندما يكون الإطارات أكفاء ومجندين، البقية تأتي معهم بسهولة.
هل يمكن للجزائر أن تصمد فعلا لأكثر من عام بسعر نفط يقل عن 60 دولارا للبرميل، في ظل الوضع الحالي للمالية العامة وضعف القدرة التنافسية لاقتصادها خارج المحروقات؟
يمكن للجزائر بل ويجب عليها أن تصمد ببرميل يساوي أو يقل عن 60 دولارا. في رأيي، يجب ألا نسأل أنفسنا هذه الأنواع من الأسئلة في المستقبل، بل يجب أن نتحرك أولاً لنقرر ما يتعين علينا القيام به تدريجياً على المدى القصير والمتوسط للتخلص من هذا الاعتماد على الريع النفطي. لقد سبق لرئيس الجمهورية وأن حدد هدفًا لتقليص هذا الاعتماد بنسبة 20 ٪ على المدى القصير، ولقطاع الطاقة دوره من خلال تثمين إنتاجه من المحروقات وتزويد القطاعات المنتجة لمناصب الشغل والثروة الجديدة بالطاقة.
تمكنت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وروسيا إلى حد ما من منع حدوث انهيار حاد في أسعار النفط. هل لا يزال ثقل ودور هذا التحالف الهش صالحا إلى اليوم؟
لولا هذا التحالف أوبيك/خارج أوبيك، لكان لدينا سوق متقلب جدا وربما أدنى من المستوى الحالي. صحيح أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالركود الاقتصادي العالمي الذي يعود إلى 2008، لدرجة أننا يجب أن نتساءل عما إذا لم تكن الزيادة التي تلت ذلك بين عامي 2009 و2013 بأكثر من 100 دولار للبرميل وهو أمر غير طبيعي، وأدى إلى تغييرات عميقة في التبادلات والاستراتيجيات والنماذج الاستهلاكية للطاقة عبر العالم.
أضف إلى ذلك جميع الأزمات الجيوسياسية وحالات عدم الاستقرار التي تعصف بالعالم على مدى العقدين الماضيين، بالإضافة إلى الوباء، ستجدون أنه من الصعب حقًا التنبؤ في الوقت الحالي، على الأقل على المدى القصير. على الرغم من كل هذا، فإن اتفاقية أوبيك + السائرة منذ 1 ماي 2020، واحترام بنودها بشكل عام، ولاسيما من قبل أكبر المنتجين مثل المملكة العربية السعودية وروسيا، سمحت للأسعار بالارتفاع إلى حوالي 40 دولارا للبرميل. اللحظة. لا يزال هذا التحالف ضروريا ويجب أن يستمر في كل الأحوال إذا أردنا تجنب الدخول في فترة من انعدام الرؤية التام، خاصة على المدى القصير.
مرة أخرى يتراجع احتمال عودة أسعار النفط إلى حدود 60 دولار. ما هو السيناريو الواقعي لسعر البرميل الذي يمكن أن نتوقعه لعام 2021؟
في الوقت الراهن، لاشك أن العالم بأسره يترقب نهاية محتملة للوباء، ويليها استئناف في الطلب العالمي. لكن هذا لا يكفي في رأيي، لأن العوامل الأخرى الناجمة عن وتيرة وطريقة هذا الاستئناف ستمنع بالتأكيد الأسعار من العودة بسرعة إلى المستوى الذي بلغته في 2019 وربما سوف لن تدرك أبدا مستوى 2013.
لابد أيضا من المراهنة د على المنافسة بين المنتجين، خاصة بالنسبة للغاز الطبيعي الذي يشهد سوقه تحولا سريعا نحو « السوق الفوري » إلى حد كبير. في ظل هذه الظروف غير المستقرة، يتوقع أكبر المحللين متوسط سعر 40 دولارا للبرميل في عام 2020 ومن 50 إلى 60 دولارا لعام 2021.
هل تملك الجزائر الآن الإمكانيات المالية والعملية لتنفيذ المشاريع الكبرى في مجال الطاقات المتجددة؟
بل هي مضطرة لأن يكون لديها ذلك، ولهذا قرر رئيس الجمهورية إنشاء وزارة مخصصة للتحول الطاقوي والطاقات المتجددة. إنه مشروع ضخم يندرج في إطار تحول عالمي للطاقة، تطلب بالتأكيد الكثير من الموارد المالية، ولكنه يتطلب قبل كل شيء رؤية جديدة ونهج وصياغة برامج وإجراءات، مع الاستناد إلى التقدم التكنولوجي وخبرات البلدان الأخرى.
إن التحول الطاقوي هو مسئولية الجميع، من المواطن إلى الحكومة ككل. عندما ذكرت مؤخرًا مشروع « ديزيرتيك » في حديثي عن تصورات عام 2010، اعتقد الكثيرون أنني كنت أقصد التخلي عن مصادر الطاقة المتجددة. أبداً، لأن هذه أولوية في مجال الطاقة. لكني أعتقد أن زميلي المشرف على هذا القطاع سيدافع عن القضية أحسن دفاع.
أجرى الحوار: أكلي رزوالي
ترجمة: م. عاشوري
في هذا الحوار الحصري الذي أجريناه مع وزير الطاقة، السيد عبد المجيد عطار، تطرق لكل قضايا الساعة: خارطة الطريق الجديدة لقطاع الطاقة الوطني، أزمة النفط، ودور الأوبك…
ليبرتي: عرضتم مؤخرًا خارطة طريق جديدة لإنعاش قطاع الطاقة الوطني. ما هي الأولويات فيها وما الذي يبرر استراتيجية جديدة في هذا السياق بالتحديد؟
عبد المجيد عطار: ما يبررها أمر بسيط جدا ومعروف للجميع، هو انخفاض حجم الاحتياطي وانخفاض الإنتاج وانخفاض عائدات الصادرات، والارتفاع في استهلاك الطاقة. لذلك، بدلاً من البحث عن حل أو بديل لكل جانب من هذه الجوانب، اخترنا استراتيجية بسيطة للغاية تأخذ أولاً في الاعتبار حالة عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، والحالات الاستعجالية الداخلية على المدى القصير التي يجب مواجهتها بأي ثمن، وضرورة تسيير مواردنا واستغلالها بطريقة مختلفة تمامًا على المدى القريب وما بعد المدى المتوسط. وهذا هو الأهم، لأن حالات عدم الاستقرار المتعلقة بانتعاش اقتصادي عالمي محتمل، والتي ترتبط به سوق النفط للأسف، وحتى لو افترضنا انتهاء الوباء الحالي في عام 2021، فسوف يؤدي ذلك إلى تغييرات عميقة في نماذج التنمية الاقتصادية.
في مثل هذه الحالة، فإن استراتيجيتنا مستوحاة ببساطة من برنامج الحكومة. تتمثل في الحفاظ على القدرات الإنتاجية الحالية أولاً، ولكن بالتخفيف من تكاليف الإنتاج والأعباء غير الضرورية، وضمان التموين بالطاقة (خاصة الكهرباء والغاز الطبيعي) وإعطاء الأولوية للمستخدمين القادرين على خلق مناصب شغل وثروة، والمشاركة في جهود توفير الطاقة واستخدام الطاقات المتجددة، وهو محور استراتيجي مهم للغاية تقع على عاتق وزارة جديدة هي وزارة التحول الطاقوي والطاقات المتجددة، وأيضا إعادة تنظيم قطاع المحروقات في إطار قانون النفط الجديد، وسياسة الشراكة التنافسية، من أجل ضمان تطوير الإنتاج على المدى المتوسط، وتجديد احتياطياتنا، وضمان أمن الطاقة على المدى الطويل. وأول شيء ينبغي الشروع فيه هو تكييف أداة التكرير لزيادة إنتاج المحروقات وتقليل الواردات ثم وقفها نهائيا. كل محور من هذه المحاور يتجسد ببرنامج أو إجراءات ملموسة، مع ضبط آجال محددة.
لعل التحدي الأول بالنسبة الجزائر هو إنعاش إنتاجها المتناقص من المحروقات. ما هي وضعية الحقول الرئيسية في البلاد اليوم وماذا عن آفاق الاكتشافات الجديدة على المديين القصير والمتوسط؟
يجب الاعتراف بأن أكبر حقولنا قد تضررت على مدى عقدين بسبب الضخ السريع، ولكن للأسف لم يرفق بتدابير الحفظ وتجديد تقنيات الاستغلال. المسؤولية لا تقع على عاتق التقنيين والمهندسين الجزائريين في الميدان الذين يجب أن نحييهم على كل حال، ولكن يرجع ذلك إلى التأخير في تجديد تقنيات الاستغلال وغياب المبادرات في مجال تحسين معدلات الاسترجاع، من ناحية، وفي مجال التنمية من خلال التشغيل السريع للحقول الجديدة المكتشفة مهما كانت صغيرة، من ناحية أخرى. ويتعلق الأمر باحتياطيات مؤكدة، وقد تكون محتملة في بعض الأحيان، لكنها موجودة، وتتطلب فقط مبادرات بسيطة، وأحيانًا مبادرات ذات طابع إداري، فيما يتعلق فقط بمراقبة حالة الآبار المنتجة والنقص في تجديد الاحتياطيات من خلال جهود التنقيب التي تكفلت بها سوناطراك وحدها في النهاية، لانعدام أي تشجيع على الشراكة عملياً بسبب التشريعات والبيروقراطية السارية. هما الورشتان اللتان صممنا أكثر من أي وقت مضى على تحريكهما في أقرب وقت ممكن، وأؤكد لكم أن تعليمات رئيس الجمهورية واضحة جدًا في هذا الشأن.
ألا يرجح أن يؤدي التقليم الصارم الذي قررته السلطات العمومية على نفقات سوناطراك إلى الحد من قدرتها على الاستثمار والتنقيب عن النفط والغاز؟
قراءتي لتعليمات رئيس الجمهورية، وحتى لأهدافها، تختلف تماماً عن قرائتكم. التعليمات تشير إلى إلغاء النفقات والأعباء غير الضرورية، وصدقوني أن هناك نفقات كثيرة غير ضرورية، وأيضا إلى تخفيض تكاليف الاستغلال، وهنا أيضًا، هناك يمكن أن نقتصد الكثير، وإلى إعطاء الأولوية للتكامل الوطني، ولاسيما فيما يتعلق بالمناولة في جميع المجالات، بهدف التقليل من الواردات، وتأجيل الاستثمارات التي ليس لها أي تأثير فوري على قدرات الإنتاج أو التنمية، لصالح الشراكات في مجال التنقيب والمشاريع المهيكلة الكبرى لتخفيف العبء فيما يتعلق بالاستثمار على سوناطراك وإعادة تنظيم أنشطة سوناطراك وتركيزها على أعمالها الأساسية بقواعد أخلاقية عالمية.
لقد صرحتم مؤخرًا أنكم على استعداد للعمل بالقانون الجديد الخاص بالمحروقات مع أنكم غير مقتنعين حقًا بمضمونه وجدواه. ما هي النقاط الجيدة والسيئة في هذا القانون؟
ليس القانون هو الذي لم يقنعني، بل هو التأخير في إعداد المراسيم التطبيقية الثلاثة والأربعين هو ما أثار قلقي عندما أدليت بهذا التصريح. بدون هذه المراسيم، القانون يبقى جامدا. ومنذ ذلك الحين، قامت الوزارة على وجه السرعة بتشكيل فريق عمل لتدارك التأخير. ونحن في صدد تعبئة لا يقل عن 70 إطارا رفيعي المستوى منظمين في 7 مجموعات عمل ولجنة توجيهية، يعملون بشكل متواصل، حتى في عطلات نهاية الأسبوع لإنهاء هذا المشروع. ولقد تم إعداد 25 مرسوماً تنفيذياً في أقل من شهر ونصف، على أن يتم الانتهاء من الباقي قبل نهاية العام، وبعد ذلك يمكننا الشروع في حملة كبيرة لتعزيز الشراكة في المنبع والمصب. يأتي كل هؤلاء الإطارات جاؤوا من مصالح الوزارة والوكالات الوطنية (النفط، وكالة ضبط المحروقات، لجنة ضبط الكهرباء والغاز) وسونطراك. حتى أنني أخذت زمام المبادرة لإشراك إطارات سابقين في قطاع المحروقات، ذوي الخبرة المعترف بها، والذين يساعدوننا كثيرًا، وأغتنم هذه الفرصة لأشكرهم. إن هذا مجرد جهد بسيط للإنطلاق، ورجائي أن يستمر.
يثير القانون الجديد للمحروقات بعض المخاوف فيما يتعلق بمسألة سيادة البلاد على مواردها الطبيعية وثرواتها الباطنية. ماذا عن الأمر؟
لا يوجد خوف على الإطلاق من هذه المسألة لعدة أسباب. أولاً، لأن القانون يتوافق مع الدستور القديم والجديد، أي أن الثروات الباطنية هي وستظل دائمًا ملكًا للشعب. نذكرّ بأن 75٪ من إنتاج النفط والغاز الحالي توفره سوناطراك وحدها انطلاقا من نفس النسبة تقريبًا من الاحتياطي الذي تتحكم فيه. القانون الجديد للمحروقات لا يعمل بأثر رجعي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى سينطبق فقط على الاكتشافات المستقبلية. وحتى عندما يسمح للشركاء بتحويل عقد شراكة قائم إلى القانون الجديد، فإن هذا يتعلق فقط بالاحتياطي المتبقي في الشراكة وإنتاجه، مع العلم أيضًا أن نصيبهم في الإنتاج في هذا الاحتياطي في جميع الحالات هو أقل من 49 ٪، والتي تتوافق بشكل عام مع معدل 20 إلى 25 ٪ كحد أقصى من إجمالي الإنتاج كمكافأة واستهلاك.
كانت الشراكة مفيدة خلال أصعب السنوات (1990-2000) وساهمت في تجديد الاحتياطي دون الطعن في هذه السيادة. لم تعط نفس النتائج على مدى العقدين الماضيين، سواء في المنبع أو في المراحل النهائية، لأسباب تتعلق بعدم الاستقرار القانوني والإداري، ولكن أيضًا بسبب الظرف الاقتصادي العالمي غير المواتي، الذي تفاقم بسبب نقص القدرة التنافسية لبلدنا. ومن الممكن تماما تدارك هذا التأخير دون المخاطرة بالسيادة الوطنية.
ما هي التغييرات الأساسية التي تعتزمون إجراؤها لإعادة تنظيم أساليب الحوكمة وتسيير الشركة الوطنية سونطراك، التي تزعزعت بسبب قضايا الفساد وعدم الاستقرار الإداري؟
يجب أن تنبع التغييرات من الاستراتيجية المذكورة سابقا، ومن الأهداف التي سطرتها الحكومة. قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن هذا الأمر، لأنه سيعتمد أيضًا على المراجعة الجارية على مستوى الشركة. لكن الشيء المؤكد وهو أنه سيكون من الضروري حماية سونطراك وسونلغاز وتعزيز دورهما في إنعاش التنمية الاقتصادية للبلاد. ولكن في كل هذا، فإن الجانب الإنساني هو المهم: الكفاءات والنزاهة والإخلاص للمؤسسة، والأخلاق والإنصاف في متابعة السير المهنية. عندما يكون الإطارات أكفاء ومجندين، البقية تأتي معهم بسهولة.
هل يمكن للجزائر أن تصمد فعلا لأكثر من عام بسعر نفط يقل عن 60 دولارا للبرميل، في ظل الوضع الحالي للمالية العامة وضعف القدرة التنافسية لاقتصادها خارج المحروقات؟
يمكن للجزائر بل ويجب عليها أن تصمد ببرميل يساوي أو يقل عن 60 دولارا. في رأيي، يجب ألا نسأل أنفسنا هذه الأنواع من الأسئلة في المستقبل، بل يجب أن نتحرك أولاً لنقرر ما يتعين علينا القيام به تدريجياً على المدى القصير والمتوسط للتخلص من هذا الاعتماد على الريع النفطي. لقد سبق لرئيس الجمهورية وأن حدد هدفًا لتقليص هذا الاعتماد بنسبة 20 ٪ على المدى القصير، ولقطاع الطاقة دوره من خلال تثمين إنتاجه من المحروقات وتزويد القطاعات المنتجة لمناصب الشغل والثروة الجديدة بالطاقة.
تمكنت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وروسيا إلى حد ما من منع حدوث انهيار حاد في أسعار النفط. هل لا يزال ثقل ودور هذا التحالف الهش صالحا إلى اليوم؟
لولا هذا التحالف أوبيك/خارج أوبيك، لكان لدينا سوق متقلب جدا وربما أدنى من المستوى الحالي. صحيح أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالركود الاقتصادي العالمي الذي يعود إلى 2008، لدرجة أننا يجب أن نتساءل عما إذا لم تكن الزيادة التي تلت ذلك بين عامي 2009 و2013 بأكثر من 100 دولار للبرميل وهو أمر غير طبيعي، وأدى إلى تغييرات عميقة في التبادلات والاستراتيجيات والنماذج الاستهلاكية للطاقة عبر العالم.
أضف إلى ذلك جميع الأزمات الجيوسياسية وحالات عدم الاستقرار التي تعصف بالعالم على مدى العقدين الماضيين، بالإضافة إلى الوباء، ستجدون أنه من الصعب حقًا التنبؤ في الوقت الحالي، على الأقل على المدى القصير. على الرغم من كل هذا، فإن اتفاقية أوبيك + السائرة منذ 1 ماي 2020، واحترام بنودها بشكل عام، ولاسيما من قبل أكبر المنتجين مثل المملكة العربية السعودية وروسيا، سمحت للأسعار بالارتفاع إلى حوالي 40 دولارا للبرميل. اللحظة. لا يزال هذا التحالف ضروريا ويجب أن يستمر في كل الأحوال إذا أردنا تجنب الدخول في فترة من انعدام الرؤية التام، خاصة على المدى القصير.
مرة أخرى يتراجع احتمال عودة أسعار النفط إلى حدود 60 دولار. ما هو السيناريو الواقعي لسعر البرميل الذي يمكن أن نتوقعه لعام 2021؟
في الوقت الراهن، لاشك أن العالم بأسره يترقب نهاية محتملة للوباء، ويليها استئناف في الطلب العالمي. لكن هذا لا يكفي في رأيي، لأن العوامل الأخرى الناجمة عن وتيرة وطريقة هذا الاستئناف ستمنع بالتأكيد الأسعار من العودة بسرعة إلى المستوى الذي بلغته في 2019 وربما سوف لن تدرك أبدا مستوى 2013.
لابد أيضا من المراهنة د على المنافسة بين المنتجين، خاصة بالنسبة للغاز الطبيعي الذي يشهد سوقه تحولا سريعا نحو « السوق الفوري » إلى حد كبير. في ظل هذه الظروف غير المستقرة، يتوقع أكبر المحللين متوسط سعر 40 دولارا للبرميل في عام 2020 ومن 50 إلى 60 دولارا لعام 2021.
هل تملك الجزائر الآن الإمكانيات المالية والعملية لتنفيذ المشاريع الكبرى في مجال الطاقات المتجددة؟
بل هي مضطرة لأن يكون لديها ذلك، ولهذا قرر رئيس الجمهورية إنشاء وزارة مخصصة للتحول الطاقوي والطاقات المتجددة. إنه مشروع ضخم يندرج في إطار تحول عالمي للطاقة، تطلب بالتأكيد الكثير من الموارد المالية، ولكنه يتطلب قبل كل شيء رؤية جديدة ونهج وصياغة برامج وإجراءات، مع الاستناد إلى التقدم التكنولوجي وخبرات البلدان الأخرى.
إن التحول الطاقوي هو مسئولية الجميع، من المواطن إلى الحكومة ككل. عندما ذكرت مؤخرًا مشروع « ديزيرتيك » في حديثي عن تصورات عام 2010، اعتقد الكثيرون أنني كنت أقصد التخلي عن مصادر الطاقة المتجددة. أبداً، لأن هذه أولوية في مجال الطاقة. لكني أعتقد أن زميلي المشرف على هذا القطاع سيدافع عن القضية أحسن دفاع.
أجرى الحوار: أكلي رزوالي
ترجمة: م. عاشوري
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.