في هذا الحوار، يتناول علي كفايفي، الأخصائي المعترف به في قضايا الطاقة، الإشكالية المتعلقة بتنمية قطاع المناجم في الجزائر.
ليبرتي: تم إنشاء وزارة جديدة خاصة بقطاع المناجم. هل هذا يمثل محور تنمية استراتيجية لهذا القطاع المهم؟
علي كفايفي: إن مسألة رسم حدود الوزارات الاقتصادية، ومنها الحدود الصناعية بالمفهوم الواسع، أي الصناعة ـ الطاقة ـ المناجم، مسألة تقليدية في الاقتصاديات الناشئة. هناك العديد من الخيارات لمواجهة التحديات التي تم تحديدها في العديد من الدراسات الاستراتيجية (زيادة معدلات النمو إلى 5 أو 6٪، والقدرة التنافسية الضرورية، وضعف إجمالي إنتاجية العوامل منذ السبعينيات، والتنويع الاقتصادي، والتحولات الاقتصادية والبيئية لمرحلة ما بعد النفط، الانتعاش الاقتصادي الضروري، الدورة الاقتصادية العالمية الجديدة لكوندراتييف، منذ عام 2000 الدولة الريعية وغياب الرؤية/الاستشراف/ الاستراتيجيات/الحوكمة/ التنسيق، إلخ).
أمام هذه التحديات والمخاطر العديدة، كان الحل المحتمل الذي تم اعتماده يتمثل في التقسيم العمودي لهذه الوزارات القطاعية (الصناعة، المحروقات، الطاقة والتحولات البيئية، المناجم) وفي تعزيز تنسيقها الاستراتيجي (وزارة الاستشراف) وتوحيد القيادة والتنسيق (الوزير الأول).
هل هذا الاتجاه الجديد لصالح قطاع المناجم يمثل سياسة طويلة المدى أم حاجة ظرفية لإعادة تقييم مقدّرات قطاع المناجم الوطني؟
هذا الاتجاه الجديد لا يمكن إلا أن يكون خيارا مدروسا نابعا عن سياسة طويلة المدى. لو ننظر فقط في الإمكانات المعدنية الجزائرية الموجودة على السطح، ناهيك عن الثروات الباطنية، يمكن للجزائر أن تتبوأ في آفاق 2025-2030، مكانتها كقوة منجمية كبيرة، وهذا لمدة نصف قرن أو حتى قرن. بالنسبة لسياسة المناجم هذه، من الواضح أن الأمر لا يتعلق فقط بتقييم مقدرات قطاع المناجم الوطني، وإنما بسياسة شاملة (الاستشراف والتنقيب والاستكشاف والتطوير والتعدين)، على الرغم من المراحل الأخرى من سلسلة التعدين (المعادن والصناعات التحويلية والقطاعات الاقتصادية الأخرى).
تتحدث بعض الدراسات عن وجود موارد معدنية هائلة في حالة إهمال، بسبب غياب استراتيجية ومستثمرين. هل هذا صحيح؟
الشيء المؤكد هو أن الموارد المعدنية لا تعود إلى أمس ولكنها موجودة منذ مليار سنة أو أكثر في الصحراء، ومنذ عشرات (أو مائة) مليون سنة في الشمال. العجز في قطاع النفط أو المناجم يعود إلى أسباب مختلفة، منها غياب استراتيجيات أو مستثمرين، ولكن أيضًا إلى غياب الحكم الراشد، بالرغم من العديد من المهارات الفردية المهمشة أو المحكوم عليها بالمنفى المهني. في الواقع، هناك أسباب موضوعية وأسباب ذاتية، وحتى نقائص هيكلية وأخرى ظرفية. أولا، لماذا لم يتم استغلال الثروات المعدنية المكتشفة على الأرض الجزائرية، مثل خام الحديد والفوسفات والمنغنيز؟ قرن من الخبرة العالمية في تعدين خامات الحديد الفسفورية كان يجب أن يدفعنا إلى المثابرة في عملية إزالة الفوسفور بحمض الكبريت أو في البحث عن خيارات صناعية أخرى.
في عنابة (أسميدال)، تم تحويل الفوسفات إلى حمض الفسفوريك باستخدام حمض الكبريت. أين كانت وأين هي المخابر وباحثو الجامعة الجزائرية؟ كذلك، لماذا لم يتم التنقيب عن الموارد الجزائرية الهائلة والمذهلة؟ عدة أسباب تفسر هذا الوضع. من حيث الموارد البشرية، فقد القطاع منذ الثمانينيات جزءًا كبيرًا من مئات الجيولوجيين والمهندسين المكوّنين، خاصة في الخارج (روسيا وكندا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا، إلخ). فيما يتعلق بالاستراتيجية الخاصة بالأبحاث، تم التركيز بشكل رئيسي على الحقول والمناجم العرقية، وترك جانبا المناجم المنتشرة التي تنطوي على ثروات مثل المحروقات غير التقليدية التي مكنت الولايات المتحدة من باستئناف إنتاج النفط والمناجم بداية من عام 2006. وحسب الأستاذ نصر الدين كازي الثاني، على سبيل المثال، تمتلك الجزائر حوالي 24.5 مليار طن من خام الحديد في عمق الصحراء، لكن للأسف مشوب قليلا بمادة الفوسفور، وأيضا عدة مليارات طن من المغنطيط زهي خالصة تمامًا في أقصى شمال الهوقار، وخاصة في شكل معادن منتشرة من البيريت (ثاني كبريت الحديد) في سيلوري الصحراء بمعدل 70 مليون طن لكل كيلومتر مربع! ويوجد نفس الكمية من الكبريت. وهذا يجعل منها أكبر تراكم في العالم في هذين العنصرين. يمكننا أن نسيق أمثلة كثيرة (الفاناديوم واليورانيوم والنيكل والكروم وما إلى ذلك) ونسجل بمرارة الثروة المعدنية الطائلة التي تزخر بها الجزائر والتي يمكننا بشأنها، دون مبالغة، التحدث عن فضيحة جيولوجية. لكن الجزائر تأتي في الترتيب وراء جيراننا الأقل ثراء مثل المغرب وتونس وموريتانيا ومالي والنيجر. بالإضافة إلى ذلك، فهي ليست جذابة للمستثمرين الأجانب المولعين بالولفرم والقصدير والكولتان والمعادن الثمينة الأخرى، والتي تم تقييمها منذ فترة طويلة في الهوقار. لاختتام هذا الجانب، نذكر مثال البوتاس. يملك كل من المغرب والجزائر مخزونا من مادة البوتاس (كما يشهد عليه عدد لا يحصى من الآبار المحفورة). المغرب بحقل 60 كم × 40 كم والجزائر بحقل يزيد عن 300 كم × 100 كم. يخطط المغرب لتطوير منجمه المكتشف في الخمسينات في عام 2021. بالمقابل، ومنذ عام كان لشركة أسميدال (الجزائر) مشروع مصنع لصنع كبريت البوتاسيوم على أساس كلوريد البوتاسيوم المستورد، وهي لا تدرك أن الجزائر لديها موارد ضخمة من كلوريد البوتاسيوم.
كان بإمكان هذا المعدن، الذي ينتح بسهولة عن طريق الانحلال، أن يسمح للجزائر بتبوء مكانته ضمن أكبر صلاصة مُصدرين في العالم، إلى جانب كندا وبيلاروسيا، وقبل الأردن. لماذا؟ من الواضح أننا قمنا « بتحييد » ديوان البحوث الجيولوجية والمنجمية بتحويله إلى « كيان تجاري »، تمامًا مثل المعهد الجزائري للبترول، وهذا يتعارض مع الممارسات العالمية (في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وغيرهما) حيث تشكل منظمات مثل ديوان البحوث قرة عين الدولة المنجمية. وماذا عن توحيد الوسائل العلمية الجيولوجية لسوناطراك:مركز الأبحاث والتنمية و ديوان البحوث الجيولوجية والمنجمية؟
هل سيذهب هذا الاهتمام المتجدد بالثروة المعدنية إلى حد تطوير سلسلة قيمة حقيقية تشمل الاستكشاف والاستغلال والصناعة والمعالجة والتصدير؟
إن الحاجة إلى تطوير سلسلة القيمة الاقتصادية (راجع دراسات البنك الدولي التي تؤكدها النتائج الإحصائية للاقتصاد الأمريكي) في عام 2019 في الولايات المتحدة، بلغ إنتاج المعادن 86.3 مليار دولار، تضاف إليها 36 مليار دولار من المعادن المعاد رسكلتها، أو ما مجموعه 122 مليار دولار. وصلت المعادن المصنعة إلى 770 مليار دولار (بنسبة تثين للقيمة المضافة قدرها 600٪).
بلغت القيمة المضافة للقطاعات المستهلكة للمعادن المحوّلة 130 3 مليار دولار، أي ما يقارب 4 أضعاف قيمة المعادن، وعموما أكثر بـ 25 مرة. بالإضافة إلى المرض الهولندي، توضح هذه الأرقام أن الهدف الاستراتيجي يكمن في تحقيق سلسلة القيمة للتعدين والاقتصاد المعدني، مع سياسة التعدين الاستخراجي، ويغطي هذا العمل الاستراتيجي طويل المدى عدة مجالات: الرؤية والتشخيص الاستراتيجي ووضع التحديات والمحاور الاستراتيجية والبرامج والهياكل التنفيذية.
تغطي البرامج العديد من المجالات، المؤسساتية والتنظيم وتسهيل المجال الاقتصادي، وتنمية الموارد البشرية، والابتكار والأقاليم (مناطق/ خطوط الأنابيب المعدنية/النقل)، والبيئة، وأنشطة ما بعد التعدين. بالإضافة إلى ذلك ، فإن التجسيد الوطني لسلسلة القيمة العالمية بداية من أبحاث التعدين إلى التصدير واستبدال الواردات وتطوير الصناعات التحويلية، منها تلك الموجهة للتكونولوجيات الرقمية والتحولات الطاقوية و البيئة والصناعات المرتبطة بالدفاع الوطني.
تبيّن أن استثمارات سابقة في استغلال بعض المناجم، ومنها الذهب في تمنراست، كانت احتيالا لا مثيل لها. ما العمل لتجنب مثل هذه العمليات في المستقبل؟
هذا الاحتياليتعلق بمنجم الذهب الذي طمعت فيه شركة أسترالية صغيرة وباليورانيوم الذي جذب أطماع شركة كندية تقريبا من دون أصول، وتملك مقرا اجتماعيا في مكتب مستأجر في كندا وسيارتها الوحيدة استأجرت عند « أفيس » أو « هارتس »! يجب حظر مثل هذه العمليات (ومن يلهمها) على جميع المستويات وبكافة الوسائل (القانون واختيار المسؤولين والحوكمة وقائمة المعادن والأنشطة الاستراتيجية، وما إلى ذلك)، ليس فقط لأنها غير قانونية ولكن أيضًا، لأن المقدرات المستقبلية « المستنبطة » تعادل، وفق البروفيسور نصر الدين كازي الثاني أكثر من 300 منجم من الذهب، وليس فقط إثنان، ثم 9.2 مليار طن من اليورانيوم، وليس 26 ألف طن فقط.
هل يجب إعادة صياغة قانون المناجم للسماح بوضع إطار أفضل للاستثمار الوطني والأجنبي في هذا القطاع؟
عموما، إن مسألة إعادة أو تحديث نص تشريعي أو تنظيمي يمكن أن يطرح عندما تكون هناك تغييرات هيكلية أو تحديات كبيرة. للقيام بذلك، يمكن أن نذكر الجوانب المتعلقة بتسريع وتوسيع الأبحاث الخاصة بالمناجم، واحترام المعايير المهنية الدولية (تعريف الموارد والاحتياطي، ودراسات التصميم، والجدوى المسبقة، والجدوى، والخبراء المؤهلين للتصديق على الموارد والاحتياطي)، وللأطراف الفاعلة (الشركات الصغيرة، وما إلى ذلك) ، وقائمة المواد والأنشطة الاستراتيجية، إلخ.
هل يمكن أن نتحدث عن مرحلة مابعد البترول بالمناجم، وما هي المعادن التي يمكن أن يكون للجزائر تأثير بها في السوق العالمية؟
في البلدان المصنعة، يرتبط مفهوم ما بعد النفط بشكل أساسي بالانتقال البيئي (الطاقات المتجددة، وما إلى ذلك). بالنسبة للجزائر، فإن النفط، حتى الذي لا يزال عالقًا في الصخر، سيكون أقل فائدة لتحقيق الانتقال الطاقوي. وفقًا للبيانات الاقتصادية التي بحوزتنا، والتي تستخدم بفعالية، يمكن لسلسلة قيمة المناجم أن تحل محل النفط بسهولة من الفترة 2025-2030. وفقًا للتقديرات التي تم إجراؤها، وعلى الرغم من الثروات المنجمية السطحية (التي تم الكشف عنها من خلال الاستشعار عن بُعد، ودراسة الطبقات والسجلات الموجودة والقياسات الجيوفيزيائية الحالية)، فإن المعادن الموجودة في الصخور الأم على السطح تبلغ قيمتها أكثر من 20 مرة ما سيجلبه الغاز غير التقليدي.
أما المعادن التي يمكن للجزائر أن تؤثر بها في السوق العالمية، فيكفي ذكر 2 أو 3 (الفناديوم، الليثيوم، الأراضي النادرة). ومع ذلك، استطاعت جزائر الشهداء، بفضل تضحياتهم، استعادة الملكية الأبدية للعديد من المناجم الاستراتيجية (للاقتصاد، وللصناعات الاستراتيجية للدفاع الوطني وللاستراتيجية الجغرافية). لا يسعه المجال لذكرها كلّها لأنها كثيرة جدا، وذات قيمة منجمية أو معدنية عالية جدا (على سبيل المثال 6000 دولار للطن من المعدن النحاسي) وهي مطلوبة جدًا (ما يسمى بالمعادن الحرجة للبلدان الصناعية أو الناشئة بما في ذلك الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند). في المستقبل القريب، ستؤكد لنا المخابر الرسمية أن الأساطير في نظر بعض المراقبين السلبيين لم تكن سوى حقيقة بالنسبة للذين اشتغلوا عليها منذ عدة عقود.
ليبرتي
ترجمة: م. عاشوري
في هذا الحوار، يتناول علي كفايفي، الأخصائي المعترف به في قضايا الطاقة، الإشكالية المتعلقة بتنمية قطاع المناجم في الجزائر.
ليبرتي: تم إنشاء وزارة جديدة خاصة بقطاع المناجم. هل هذا يمثل محور تنمية استراتيجية لهذا القطاع المهم؟
علي كفايفي: إن مسألة رسم حدود الوزارات الاقتصادية، ومنها الحدود الصناعية بالمفهوم الواسع، أي الصناعة ـ الطاقة ـ المناجم، مسألة تقليدية في الاقتصاديات الناشئة. هناك العديد من الخيارات لمواجهة التحديات التي تم تحديدها في العديد من الدراسات الاستراتيجية (زيادة معدلات النمو إلى 5 أو 6٪، والقدرة التنافسية الضرورية، وضعف إجمالي إنتاجية العوامل منذ السبعينيات، والتنويع الاقتصادي، والتحولات الاقتصادية والبيئية لمرحلة ما بعد النفط، الانتعاش الاقتصادي الضروري، الدورة الاقتصادية العالمية الجديدة لكوندراتييف، منذ عام 2000 الدولة الريعية وغياب الرؤية/الاستشراف/ الاستراتيجيات/الحوكمة/ التنسيق، إلخ).
أمام هذه التحديات والمخاطر العديدة، كان الحل المحتمل الذي تم اعتماده يتمثل في التقسيم العمودي لهذه الوزارات القطاعية (الصناعة، المحروقات، الطاقة والتحولات البيئية، المناجم) وفي تعزيز تنسيقها الاستراتيجي (وزارة الاستشراف) وتوحيد القيادة والتنسيق (الوزير الأول).
هل هذا الاتجاه الجديد لصالح قطاع المناجم يمثل سياسة طويلة المدى أم حاجة ظرفية لإعادة تقييم مقدّرات قطاع المناجم الوطني؟
هذا الاتجاه الجديد لا يمكن إلا أن يكون خيارا مدروسا نابعا عن سياسة طويلة المدى. لو ننظر فقط في الإمكانات المعدنية الجزائرية الموجودة على السطح، ناهيك عن الثروات الباطنية، يمكن للجزائر أن تتبوأ في آفاق 2025-2030، مكانتها كقوة منجمية كبيرة، وهذا لمدة نصف قرن أو حتى قرن. بالنسبة لسياسة المناجم هذه، من الواضح أن الأمر لا يتعلق فقط بتقييم مقدرات قطاع المناجم الوطني، وإنما بسياسة شاملة (الاستشراف والتنقيب والاستكشاف والتطوير والتعدين)، على الرغم من المراحل الأخرى من سلسلة التعدين (المعادن والصناعات التحويلية والقطاعات الاقتصادية الأخرى).
تتحدث بعض الدراسات عن وجود موارد معدنية هائلة في حالة إهمال، بسبب غياب استراتيجية ومستثمرين. هل هذا صحيح؟
الشيء المؤكد هو أن الموارد المعدنية لا تعود إلى أمس ولكنها موجودة منذ مليار سنة أو أكثر في الصحراء، ومنذ عشرات (أو مائة) مليون سنة في الشمال. العجز في قطاع النفط أو المناجم يعود إلى أسباب مختلفة، منها غياب استراتيجيات أو مستثمرين، ولكن أيضًا إلى غياب الحكم الراشد، بالرغم من العديد من المهارات الفردية المهمشة أو المحكوم عليها بالمنفى المهني. في الواقع، هناك أسباب موضوعية وأسباب ذاتية، وحتى نقائص هيكلية وأخرى ظرفية. أولا، لماذا لم يتم استغلال الثروات المعدنية المكتشفة على الأرض الجزائرية، مثل خام الحديد والفوسفات والمنغنيز؟ قرن من الخبرة العالمية في تعدين خامات الحديد الفسفورية كان يجب أن يدفعنا إلى المثابرة في عملية إزالة الفوسفور بحمض الكبريت أو في البحث عن خيارات صناعية أخرى.
في عنابة (أسميدال)، تم تحويل الفوسفات إلى حمض الفسفوريك باستخدام حمض الكبريت. أين كانت وأين هي المخابر وباحثو الجامعة الجزائرية؟ كذلك، لماذا لم يتم التنقيب عن الموارد الجزائرية الهائلة والمذهلة؟ عدة أسباب تفسر هذا الوضع. من حيث الموارد البشرية، فقد القطاع منذ الثمانينيات جزءًا كبيرًا من مئات الجيولوجيين والمهندسين المكوّنين، خاصة في الخارج (روسيا وكندا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا، إلخ). فيما يتعلق بالاستراتيجية الخاصة بالأبحاث، تم التركيز بشكل رئيسي على الحقول والمناجم العرقية، وترك جانبا المناجم المنتشرة التي تنطوي على ثروات مثل المحروقات غير التقليدية التي مكنت الولايات المتحدة من باستئناف إنتاج النفط والمناجم بداية من عام 2006. وحسب الأستاذ نصر الدين كازي الثاني، على سبيل المثال، تمتلك الجزائر حوالي 24.5 مليار طن من خام الحديد في عمق الصحراء، لكن للأسف مشوب قليلا بمادة الفوسفور، وأيضا عدة مليارات طن من المغنطيط زهي خالصة تمامًا في أقصى شمال الهوقار، وخاصة في شكل معادن منتشرة من البيريت (ثاني كبريت الحديد) في سيلوري الصحراء بمعدل 70 مليون طن لكل كيلومتر مربع! ويوجد نفس الكمية من الكبريت. وهذا يجعل منها أكبر تراكم في العالم في هذين العنصرين. يمكننا أن نسيق أمثلة كثيرة (الفاناديوم واليورانيوم والنيكل والكروم وما إلى ذلك) ونسجل بمرارة الثروة المعدنية الطائلة التي تزخر بها الجزائر والتي يمكننا بشأنها، دون مبالغة، التحدث عن فضيحة جيولوجية. لكن الجزائر تأتي في الترتيب وراء جيراننا الأقل ثراء مثل المغرب وتونس وموريتانيا ومالي والنيجر. بالإضافة إلى ذلك، فهي ليست جذابة للمستثمرين الأجانب المولعين بالولفرم والقصدير والكولتان والمعادن الثمينة الأخرى، والتي تم تقييمها منذ فترة طويلة في الهوقار. لاختتام هذا الجانب، نذكر مثال البوتاس. يملك كل من المغرب والجزائر مخزونا من مادة البوتاس (كما يشهد عليه عدد لا يحصى من الآبار المحفورة). المغرب بحقل 60 كم × 40 كم والجزائر بحقل يزيد عن 300 كم × 100 كم. يخطط المغرب لتطوير منجمه المكتشف في الخمسينات في عام 2021. بالمقابل، ومنذ عام كان لشركة أسميدال (الجزائر) مشروع مصنع لصنع كبريت البوتاسيوم على أساس كلوريد البوتاسيوم المستورد، وهي لا تدرك أن الجزائر لديها موارد ضخمة من كلوريد البوتاسيوم.
كان بإمكان هذا المعدن، الذي ينتح بسهولة عن طريق الانحلال، أن يسمح للجزائر بتبوء مكانته ضمن أكبر صلاصة مُصدرين في العالم، إلى جانب كندا وبيلاروسيا، وقبل الأردن. لماذا؟ من الواضح أننا قمنا « بتحييد » ديوان البحوث الجيولوجية والمنجمية بتحويله إلى « كيان تجاري »، تمامًا مثل المعهد الجزائري للبترول، وهذا يتعارض مع الممارسات العالمية (في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وغيرهما) حيث تشكل منظمات مثل ديوان البحوث قرة عين الدولة المنجمية. وماذا عن توحيد الوسائل العلمية الجيولوجية لسوناطراك:مركز الأبحاث والتنمية و ديوان البحوث الجيولوجية والمنجمية؟
هل سيذهب هذا الاهتمام المتجدد بالثروة المعدنية إلى حد تطوير سلسلة قيمة حقيقية تشمل الاستكشاف والاستغلال والصناعة والمعالجة والتصدير؟
إن الحاجة إلى تطوير سلسلة القيمة الاقتصادية (راجع دراسات البنك الدولي التي تؤكدها النتائج الإحصائية للاقتصاد الأمريكي) في عام 2019 في الولايات المتحدة، بلغ إنتاج المعادن 86.3 مليار دولار، تضاف إليها 36 مليار دولار من المعادن المعاد رسكلتها، أو ما مجموعه 122 مليار دولار. وصلت المعادن المصنعة إلى 770 مليار دولار (بنسبة تثين للقيمة المضافة قدرها 600٪).
بلغت القيمة المضافة للقطاعات المستهلكة للمعادن المحوّلة 130 3 مليار دولار، أي ما يقارب 4 أضعاف قيمة المعادن، وعموما أكثر بـ 25 مرة. بالإضافة إلى المرض الهولندي، توضح هذه الأرقام أن الهدف الاستراتيجي يكمن في تحقيق سلسلة القيمة للتعدين والاقتصاد المعدني، مع سياسة التعدين الاستخراجي، ويغطي هذا العمل الاستراتيجي طويل المدى عدة مجالات: الرؤية والتشخيص الاستراتيجي ووضع التحديات والمحاور الاستراتيجية والبرامج والهياكل التنفيذية.
تغطي البرامج العديد من المجالات، المؤسساتية والتنظيم وتسهيل المجال الاقتصادي، وتنمية الموارد البشرية، والابتكار والأقاليم (مناطق/ خطوط الأنابيب المعدنية/النقل)، والبيئة، وأنشطة ما بعد التعدين. بالإضافة إلى ذلك ، فإن التجسيد الوطني لسلسلة القيمة العالمية بداية من أبحاث التعدين إلى التصدير واستبدال الواردات وتطوير الصناعات التحويلية، منها تلك الموجهة للتكونولوجيات الرقمية والتحولات الطاقوية و البيئة والصناعات المرتبطة بالدفاع الوطني.
تبيّن أن استثمارات سابقة في استغلال بعض المناجم، ومنها الذهب في تمنراست، كانت احتيالا لا مثيل لها. ما العمل لتجنب مثل هذه العمليات في المستقبل؟
هذا الاحتياليتعلق بمنجم الذهب الذي طمعت فيه شركة أسترالية صغيرة وباليورانيوم الذي جذب أطماع شركة كندية تقريبا من دون أصول، وتملك مقرا اجتماعيا في مكتب مستأجر في كندا وسيارتها الوحيدة استأجرت عند « أفيس » أو « هارتس »! يجب حظر مثل هذه العمليات (ومن يلهمها) على جميع المستويات وبكافة الوسائل (القانون واختيار المسؤولين والحوكمة وقائمة المعادن والأنشطة الاستراتيجية، وما إلى ذلك)، ليس فقط لأنها غير قانونية ولكن أيضًا، لأن المقدرات المستقبلية « المستنبطة » تعادل، وفق البروفيسور نصر الدين كازي الثاني أكثر من 300 منجم من الذهب، وليس فقط إثنان، ثم 9.2 مليار طن من اليورانيوم، وليس 26 ألف طن فقط.
هل يجب إعادة صياغة قانون المناجم للسماح بوضع إطار أفضل للاستثمار الوطني والأجنبي في هذا القطاع؟
عموما، إن مسألة إعادة أو تحديث نص تشريعي أو تنظيمي يمكن أن يطرح عندما تكون هناك تغييرات هيكلية أو تحديات كبيرة. للقيام بذلك، يمكن أن نذكر الجوانب المتعلقة بتسريع وتوسيع الأبحاث الخاصة بالمناجم، واحترام المعايير المهنية الدولية (تعريف الموارد والاحتياطي، ودراسات التصميم، والجدوى المسبقة، والجدوى، والخبراء المؤهلين للتصديق على الموارد والاحتياطي)، وللأطراف الفاعلة (الشركات الصغيرة، وما إلى ذلك) ، وقائمة المواد والأنشطة الاستراتيجية، إلخ.
هل يمكن أن نتحدث عن مرحلة مابعد البترول بالمناجم، وما هي المعادن التي يمكن أن يكون للجزائر تأثير بها في السوق العالمية؟
في البلدان المصنعة، يرتبط مفهوم ما بعد النفط بشكل أساسي بالانتقال البيئي (الطاقات المتجددة، وما إلى ذلك). بالنسبة للجزائر، فإن النفط، حتى الذي لا يزال عالقًا في الصخر، سيكون أقل فائدة لتحقيق الانتقال الطاقوي. وفقًا للبيانات الاقتصادية التي بحوزتنا، والتي تستخدم بفعالية، يمكن لسلسلة قيمة المناجم أن تحل محل النفط بسهولة من الفترة 2025-2030. وفقًا للتقديرات التي تم إجراؤها، وعلى الرغم من الثروات المنجمية السطحية (التي تم الكشف عنها من خلال الاستشعار عن بُعد، ودراسة الطبقات والسجلات الموجودة والقياسات الجيوفيزيائية الحالية)، فإن المعادن الموجودة في الصخور الأم على السطح تبلغ قيمتها أكثر من 20 مرة ما سيجلبه الغاز غير التقليدي.
أما المعادن التي يمكن للجزائر أن تؤثر بها في السوق العالمية، فيكفي ذكر 2 أو 3 (الفناديوم، الليثيوم، الأراضي النادرة). ومع ذلك، استطاعت جزائر الشهداء، بفضل تضحياتهم، استعادة الملكية الأبدية للعديد من المناجم الاستراتيجية (للاقتصاد، وللصناعات الاستراتيجية للدفاع الوطني وللاستراتيجية الجغرافية). لا يسعه المجال لذكرها كلّها لأنها كثيرة جدا، وذات قيمة منجمية أو معدنية عالية جدا (على سبيل المثال 6000 دولار للطن من المعدن النحاسي) وهي مطلوبة جدًا (ما يسمى بالمعادن الحرجة للبلدان الصناعية أو الناشئة بما في ذلك الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند). في المستقبل القريب، ستؤكد لنا المخابر الرسمية أن الأساطير في نظر بعض المراقبين السلبيين لم تكن سوى حقيقة بالنسبة للذين اشتغلوا عليها منذ عدة عقود.
ليبرتي
ترجمة: م. عاشوري
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.