إعتبر محسن بلعباس في خطابه أمام أعضاء المجلس الوطني للأرسيدي أن إختزال الأزمة في الانتخابات الرئاسية « هو أسوأ خيار » داعيا إطارات ومناضلي الأرسيدي « الشروع في النقاش داخل هياكل الحزب « حول هذه القضايا (تطورات الساحة السياسية) التي تهم مستقبل البلد » وكذلك مستقبل الأرسيدي.
وبالنسبة لمحسن بلعباس فإن الساحة السياسية الوطنية ستطرأ عليها تغيرات « مهما كان الوضع الذي سيفضي إليه الحراك الشعبي » وأضاف أمام مناضليه وإطاراته » يجب أن تكون جهودنا وطاقاتنا منصّبة قبل كل شيء حول توسيع قاعدتنا مع مراعاة ظهور تغيرات أكيدة على الخريطة السياسية بظهور كيانات سياسية أخرى وتلاشي مرتقب للعديد من الأجهزة ».
الخطاب الكامل لمحسن بلعباس:
سيداتي وسادتي، أهلا ومرحبا بكم في هذه الدورة الجديدة لمجلسنا الوطني،
في النداء المنبثق عن قرارات اجتماعنا الأخير المنعقد في 1 فيفري 2019، كنّا قد كتبنا: « إن المجلس الوطني للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وأمام هذا المأزق التاريخي، أوعز لهياكله الجهوية والمحلية لإبداء استعدادها للمناقشة مع المناضلين السياسيين والنقابيين والجمعويين ومع المواطنين الراغبين في العمل على إنشاء فضاءات للحوار والتشاور من أجل تعبئة المواطنين بغية بناء ميزان قوى يسمح بانطلاقة جديدة ».
في السياسة، كل ما يتعلق بأوزان وآجال الحركات التي تحمل وتعبر عن رفض الاضطهاد ليس بالعلم الدقيق. كانت قناعتنا أن احتلال الشعب للفضاء العمومي وحده هو الذي يمكن أن ينقذ البلاد من الانسداد القاتل الذي أغرقها فيه النظام السياسي. وكان هذا أيضًا مغزى تدخلي على قناة المغاربية في أوج أيام التسويق للعهدة الخامسة من قبل حاشية الريس المخلوع، الذي كان نائب وزيره للدفاع مكلفا بالترويج « للكادر » من وراء القيادة العسكرية وأفراد الجيش الوطني الشعبي.
إنني أعتقد اعتقادا راسخا أن تدخلنا لنشر الأمل والتعلق به لم يذهب سُدى. وإذا كانت هناك حاجة إلى دليل إضافي، فهي موجودة في الشعارات الديمقراطية المرفوعة في المسيرات وفي التأكيد على النضال السلمي باعتباره السبيل الوحيد لإقامة ميزان قوى دائم لصالح البديل الديمقراطي والتقدمي.
أصدقائي الأعزاء، سيداتي وسادتي
إن انتفاضة 22 فيفري 2019 ليست مجرد ثورة ضد الظلم وكل أشكال الضعف والترهل التي أصابت كل مرافق الحياة الوطنية بفعل نظام مخادع، نظام أراد أن يحوّل الجزائريين إلى مجرد أنابيب هضمية وأن يجرّدهم من إنسانيتهم ومن طموحهم في العيش بحرية في بلد حر. بل إن انتفاضة 22 فيفري هي التقاء جميع ثورات الشعب الجزائري ورفض حتمية الديكتاتورية منذ اليوم الأول من الاستقلال. ليست حركة مطالب بقدر ما هي انتفاضة لاستعادة الحريات وتقرير مصير الوطن. هي « 57 سنة بركات ! »
إن الذين يختزلون اليوم مضمون هذه الصحوة الثورية في رحيل ومحاكمة بعض رموز النظام السياسي الذي صادر انتصار الأمة على الاستعمار، يفعلون ذلك لحسابات خاصة. انتظرت قيادة أركان الجيش مرور أسابيع على المظاهرات المليونية والموحدة لتقف بشكل انتهازي إلى جانب الحراك الشعبي للمطالبة باستقالة بوتيفليقة. واستولت في الوقت نفسه على كل الأجهزة القمعية في البلد، بما فيها جهاز القضاء الذي كانت تسيطر عليه إلى تلك الآونة جماعة الرئاسة.
مهما قيل هنا وهناك، فإن الزمرة التي يمثلها قايد صالح لا يهمها تطهير البلد من الفساد والمفسدين. وحتى ولو اراد ذلك، فلن يستطيع لسبب بسيط وهو أن هو نفسه وأصحابه في هذه المغامرة وذويهم ليسوا منزهين من شبهات الفساد على غرار بقية « العصابة ». أضف إلى ذلك التعتيم الذي يميّز تسيير ميزانيات وزارة الدفاع الضخمة، التي تتعامل مع شركاء اقتصاديين وماليين من بينهم أجانب. إن الغرض الوحيد من هذه الحملة « التطهيرية » من خلال الاستيلاء على جهاز القضاء هو تمهيد الطريق للجيش لتنصيب دمية جديدة في رئاسة الجمهورية.
في سياق هذا السعي الحثيث للقضاء على الإرادة الشعبية، وبالتالي لتحويل حركة 22 فيفري، من تطلعها لبناء دولة قانون وديمقراطية، تتمحور سياسة الجيش حول ثلاثة محاور:
1. توظيف جهاز القضاء لمعالجة ملفات ينتقيها الجيش ويقرر مواعيدها ويفرز الشخصيات التي يتم متابعتها، وكل ذلك تحت تغطية أجهزة الإعلام التي يتحكم فيها نائب وزير الدفاع، وينطلق ذلك من دافعين: الدافع الأول يتمثل في الاستجابة جزئياً، لكن بشكل انتقائي ـ لأحد مطالب الحراك (« كليتوا البلاد يا السراقين »). والدافع الثاني، وهو الأهم بالنسبة لقيادة الجيش، وهو تحييد الزمرة التي كانت تنافس الجيش على الإمساك بزمام الحكم. وهذا شرط أساسي لتنظيم انتخابات رئاسية دون أي مخاطرة بالنسبة لسلطة الأمر الواقع.
2. لا معنى لهذا الخيار إلا إذا كانت السلطة القائمة بصدد التحضير لواجهة سياسية مدنية جديدة تحل محل الشخصيات السياسية التي احتلت المشهد السياسي على مدار العشرين سنة الماضية وأزيحت عنه. إن تزايد عدد المعلنين عن ولائهم لخيار القايد، من عناصر النظام التي لفظها الرئيس المخلوع ومنظمات المجتمع المدني التي روّض النظام أغلبها وبعض الأحزاب الإسلامية المرعوبة من تكرار سيناريو السيسي، كل ذلك يندرج ضمن هذه الخطة المتمثلة في فرض انتخابات رئاسية تحت رعاية الجيش من البداية إلى النهاية.
3. لكن هذا لا يكفي لفرض قبول مثل هذا الخيار على الحراك الشعبي. فإذا لم يُتَح تصفية أو وردم المحتوى الديمقراطي والتقدمي الذي تعبّر عنه الجماهير في المظاهرات، يجب إضعافه قبل أي عملية انتخابية. إن رفض الجيش الصريح للانتقال الديمقراطي ليس خوفا من المجهول أو مشكلة توقيت بسبب الوضع الاقتصادي كما يروّج له هنا وهناك كذباً وبهتاناً. إنه رفض النظام السياسي القائم الذي يمثله قايد صالح للسماح للجزائريين ببناء دولة قانون ديمقراطية بغض النظر عن ترتيبات الرزنامة الانتخابية.
إن لهذه العملية الرامية إلى قمع وتحويل الإرادة الشعبية اسم، هو الثورة المضادة! ولها ناطق باسمها هو قايد صالح! ولها برنامج يهدف إلى بث التفرقة في أوساط الجماهير وزرع الخوف والشك لكي تفرض نفسها كضامن للسلم المدني بعدما أثارت الفوضى. ولديها من الآن زبائنها وأيضاً أتباعها وحلفاؤها الموضوعيون.
أصدقائي الأعزاء،
كما لاحظتم بلا شك، فإن القمع المسلط اليوم بكل وضوح على فئات من الانتفاضة تمس قبل كل شيء المدافعين عن الخيار الديمقراطي والتقدمي. قد يقول قائل أن التجاوب الذي عبّرت عنه القوى المحافظة والانطواء على الذات طلبا لحماية الجيش سيمنعها من بطش سلطة الأمر الواقع، بتسليم أمرها قبل إعلان الحرب. هذا صحيح جزئياً، لكن جزئياً فقط. أما في الواقع، فإن العقيدة السياسية والأيديولوجية للسلطة وروّاد « البازار » الذين يدورون في فلكها من الذين نشئوا وترعرعوا في عهد الرئيس المخلوع هي نفس العقيدة. هذه الطبقات لا همّ لها سوى إحراز مزيد من الحرية في التجارة والاستفادة من الموارد بشكل عام مع ضمانات أمنية.
إن التقسيم الذي تسعى إليه سلطة الأمر الواقع يتمثل في عزل القوى المطالبة بالقطيعة مع النظام عن طريق انتقال ديمقراطي يستمد مرجعيته من القيم الكونية ومن ديمقراطية يحكمها التناوب على السلطة ومن الحريات بمدلولها الفلسفي والاجتماعي ومن المساواة في الحقوق، وكلها بضمان وجود عدالة مستقلة. ومن هذا المنطلق، فإن تجريم حمل الراية الأمازيغية يرمي إلى تحقيق هدفين: عزل المعسكر الديمقراطي من امتداده الوطني ودفع المعسكر الشعبوي المحافظ إلى التجمع. فتصريحات جاب الله ومقري والصمت الذي لزمه العديد من الفاعلين السياسيين تبيّن وجود انتهازية راسخة أو ناشئة تحمل في طياتها الخوف من الديمقراطية والشفافية.
إن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية هو بلا شك الحزب السياسي الوحيد الذي أعلن عن خطة انتقالية واضحة المعالم بآليات دقيقة وتوقيت محدد. هذا الاقتراح هو بطبيعة الحالة مطروح للنقاش. كما قمنا بمساعي لتوسيع نطاق المطالبة بفترة انتقالية. هدفنا من ذلك هو وضع الأسس لبناء دولة قانون ديمقراطية، والدعوة إلى مناقشة الآليات وتمفصلاتها للتوصل إلى الإجماع المنشود.
إن الخيار المتمثل في اختزال الأزمة إلى انتخابات رئاسية جديدة هو أسوأ خيار. لأنه يعتبر القرين المباشر لتوظيف الجهاز الإداري والأمني والقضائي. وهي السياسة المنتهجة حالياً.
حول هذه القضايا التي تهم مستقبل البلد وكذلك مستقبل حزبنا، يجب على أعضاء المجلس الوطني الشروع في النقاش هنا وداخل هياكل الحزب. فمهما كان الوضع الجديد الذي سيفضي إليه الحراك الشعبي، فإن مسؤوليتنا هي أن نضع في صلب النقاش الخيار الديمقراطي الذي نناضل ونضحي في سبيله. يجب أن تكون جهودنا وطاقاتنا منصّبة قبل كل شيء حول توسيع قاعدتنا مع مراعاة ظهور تغيرات أكيدة على الخريطة السياسية بظهور كيانات سياسية أخرى وتلاشي مرتقب للعديد من الأجهزة.
أصدقائي الأعزاء،
هذه الملاحظات القليلة لا يمكن أن تشكل تقريراً مفصلاً عن الوضع السياسي في البلاد. هناك شيء مؤكد، هو أنه لن يُكتب النجاح لأي مبادرة لحل الأزمة طالما أن هناك سجناء رأي قابعون في السجون، وطالما أن حرية النشاط السياسي العمومي غير مضمونة، وطالما أن الحواجز المنصوبة للمظاهرات وحرية التنقل لم تُرفع.
لن أختم هذه الكلمة دون أن أحيّ التعبئة النموذجية لمناضلي التجمع. يتعين علينا الآن أن نبني جسور التواصل والتآزر مع جميع المواطنين الذين يكافحون من أجل جزائر حرة وديمقراطية.
من جهتي، سوف لن أدخر أي جهد لتفجير الطاقات المحررة. مسيرتنا واستقلاليتنا هما خير كنز لنا.
يسقط القمع والظلم!
تحيا الجزائر حرة وديمقراطية في شمال إفريقيا متصالحة مع تاريخها!
أشكركم.
محسن بلعباس
إعتبر محسن بلعباس في خطابه أمام أعضاء المجلس الوطني للأرسيدي أن إختزال الأزمة في الانتخابات الرئاسية « هو أسوأ خيار » داعيا إطارات ومناضلي الأرسيدي « الشروع في النقاش داخل هياكل الحزب « حول هذه القضايا (تطورات الساحة السياسية) التي تهم مستقبل البلد » وكذلك مستقبل الأرسيدي.
وبالنسبة لمحسن بلعباس فإن الساحة السياسية الوطنية ستطرأ عليها تغيرات « مهما كان الوضع الذي سيفضي إليه الحراك الشعبي » وأضاف أمام مناضليه وإطاراته » يجب أن تكون جهودنا وطاقاتنا منصّبة قبل كل شيء حول توسيع قاعدتنا مع مراعاة ظهور تغيرات أكيدة على الخريطة السياسية بظهور كيانات سياسية أخرى وتلاشي مرتقب للعديد من الأجهزة ».
الخطاب الكامل لمحسن بلعباس:
سيداتي وسادتي، أهلا ومرحبا بكم في هذه الدورة الجديدة لمجلسنا الوطني،
في النداء المنبثق عن قرارات اجتماعنا الأخير المنعقد في 1 فيفري 2019، كنّا قد كتبنا: « إن المجلس الوطني للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وأمام هذا المأزق التاريخي، أوعز لهياكله الجهوية والمحلية لإبداء استعدادها للمناقشة مع المناضلين السياسيين والنقابيين والجمعويين ومع المواطنين الراغبين في العمل على إنشاء فضاءات للحوار والتشاور من أجل تعبئة المواطنين بغية بناء ميزان قوى يسمح بانطلاقة جديدة ».
في السياسة، كل ما يتعلق بأوزان وآجال الحركات التي تحمل وتعبر عن رفض الاضطهاد ليس بالعلم الدقيق. كانت قناعتنا أن احتلال الشعب للفضاء العمومي وحده هو الذي يمكن أن ينقذ البلاد من الانسداد القاتل الذي أغرقها فيه النظام السياسي. وكان هذا أيضًا مغزى تدخلي على قناة المغاربية في أوج أيام التسويق للعهدة الخامسة من قبل حاشية الريس المخلوع، الذي كان نائب وزيره للدفاع مكلفا بالترويج « للكادر » من وراء القيادة العسكرية وأفراد الجيش الوطني الشعبي.
إنني أعتقد اعتقادا راسخا أن تدخلنا لنشر الأمل والتعلق به لم يذهب سُدى. وإذا كانت هناك حاجة إلى دليل إضافي، فهي موجودة في الشعارات الديمقراطية المرفوعة في المسيرات وفي التأكيد على النضال السلمي باعتباره السبيل الوحيد لإقامة ميزان قوى دائم لصالح البديل الديمقراطي والتقدمي.
أصدقائي الأعزاء، سيداتي وسادتي
إن انتفاضة 22 فيفري 2019 ليست مجرد ثورة ضد الظلم وكل أشكال الضعف والترهل التي أصابت كل مرافق الحياة الوطنية بفعل نظام مخادع، نظام أراد أن يحوّل الجزائريين إلى مجرد أنابيب هضمية وأن يجرّدهم من إنسانيتهم ومن طموحهم في العيش بحرية في بلد حر. بل إن انتفاضة 22 فيفري هي التقاء جميع ثورات الشعب الجزائري ورفض حتمية الديكتاتورية منذ اليوم الأول من الاستقلال. ليست حركة مطالب بقدر ما هي انتفاضة لاستعادة الحريات وتقرير مصير الوطن. هي « 57 سنة بركات ! »
إن الذين يختزلون اليوم مضمون هذه الصحوة الثورية في رحيل ومحاكمة بعض رموز النظام السياسي الذي صادر انتصار الأمة على الاستعمار، يفعلون ذلك لحسابات خاصة. انتظرت قيادة أركان الجيش مرور أسابيع على المظاهرات المليونية والموحدة لتقف بشكل انتهازي إلى جانب الحراك الشعبي للمطالبة باستقالة بوتيفليقة. واستولت في الوقت نفسه على كل الأجهزة القمعية في البلد، بما فيها جهاز القضاء الذي كانت تسيطر عليه إلى تلك الآونة جماعة الرئاسة.
مهما قيل هنا وهناك، فإن الزمرة التي يمثلها قايد صالح لا يهمها تطهير البلد من الفساد والمفسدين. وحتى ولو اراد ذلك، فلن يستطيع لسبب بسيط وهو أن هو نفسه وأصحابه في هذه المغامرة وذويهم ليسوا منزهين من شبهات الفساد على غرار بقية « العصابة ». أضف إلى ذلك التعتيم الذي يميّز تسيير ميزانيات وزارة الدفاع الضخمة، التي تتعامل مع شركاء اقتصاديين وماليين من بينهم أجانب. إن الغرض الوحيد من هذه الحملة « التطهيرية » من خلال الاستيلاء على جهاز القضاء هو تمهيد الطريق للجيش لتنصيب دمية جديدة في رئاسة الجمهورية.
في سياق هذا السعي الحثيث للقضاء على الإرادة الشعبية، وبالتالي لتحويل حركة 22 فيفري، من تطلعها لبناء دولة قانون وديمقراطية، تتمحور سياسة الجيش حول ثلاثة محاور:
1. توظيف جهاز القضاء لمعالجة ملفات ينتقيها الجيش ويقرر مواعيدها ويفرز الشخصيات التي يتم متابعتها، وكل ذلك تحت تغطية أجهزة الإعلام التي يتحكم فيها نائب وزير الدفاع، وينطلق ذلك من دافعين: الدافع الأول يتمثل في الاستجابة جزئياً، لكن بشكل انتقائي ـ لأحد مطالب الحراك (« كليتوا البلاد يا السراقين »). والدافع الثاني، وهو الأهم بالنسبة لقيادة الجيش، وهو تحييد الزمرة التي كانت تنافس الجيش على الإمساك بزمام الحكم. وهذا شرط أساسي لتنظيم انتخابات رئاسية دون أي مخاطرة بالنسبة لسلطة الأمر الواقع.
2. لا معنى لهذا الخيار إلا إذا كانت السلطة القائمة بصدد التحضير لواجهة سياسية مدنية جديدة تحل محل الشخصيات السياسية التي احتلت المشهد السياسي على مدار العشرين سنة الماضية وأزيحت عنه. إن تزايد عدد المعلنين عن ولائهم لخيار القايد، من عناصر النظام التي لفظها الرئيس المخلوع ومنظمات المجتمع المدني التي روّض النظام أغلبها وبعض الأحزاب الإسلامية المرعوبة من تكرار سيناريو السيسي، كل ذلك يندرج ضمن هذه الخطة المتمثلة في فرض انتخابات رئاسية تحت رعاية الجيش من البداية إلى النهاية.
3. لكن هذا لا يكفي لفرض قبول مثل هذا الخيار على الحراك الشعبي. فإذا لم يُتَح تصفية أو وردم المحتوى الديمقراطي والتقدمي الذي تعبّر عنه الجماهير في المظاهرات، يجب إضعافه قبل أي عملية انتخابية. إن رفض الجيش الصريح للانتقال الديمقراطي ليس خوفا من المجهول أو مشكلة توقيت بسبب الوضع الاقتصادي كما يروّج له هنا وهناك كذباً وبهتاناً. إنه رفض النظام السياسي القائم الذي يمثله قايد صالح للسماح للجزائريين ببناء دولة قانون ديمقراطية بغض النظر عن ترتيبات الرزنامة الانتخابية.
إن لهذه العملية الرامية إلى قمع وتحويل الإرادة الشعبية اسم، هو الثورة المضادة! ولها ناطق باسمها هو قايد صالح! ولها برنامج يهدف إلى بث التفرقة في أوساط الجماهير وزرع الخوف والشك لكي تفرض نفسها كضامن للسلم المدني بعدما أثارت الفوضى. ولديها من الآن زبائنها وأيضاً أتباعها وحلفاؤها الموضوعيون.
أصدقائي الأعزاء،
كما لاحظتم بلا شك، فإن القمع المسلط اليوم بكل وضوح على فئات من الانتفاضة تمس قبل كل شيء المدافعين عن الخيار الديمقراطي والتقدمي. قد يقول قائل أن التجاوب الذي عبّرت عنه القوى المحافظة والانطواء على الذات طلبا لحماية الجيش سيمنعها من بطش سلطة الأمر الواقع، بتسليم أمرها قبل إعلان الحرب. هذا صحيح جزئياً، لكن جزئياً فقط. أما في الواقع، فإن العقيدة السياسية والأيديولوجية للسلطة وروّاد « البازار » الذين يدورون في فلكها من الذين نشئوا وترعرعوا في عهد الرئيس المخلوع هي نفس العقيدة. هذه الطبقات لا همّ لها سوى إحراز مزيد من الحرية في التجارة والاستفادة من الموارد بشكل عام مع ضمانات أمنية.
إن التقسيم الذي تسعى إليه سلطة الأمر الواقع يتمثل في عزل القوى المطالبة بالقطيعة مع النظام عن طريق انتقال ديمقراطي يستمد مرجعيته من القيم الكونية ومن ديمقراطية يحكمها التناوب على السلطة ومن الحريات بمدلولها الفلسفي والاجتماعي ومن المساواة في الحقوق، وكلها بضمان وجود عدالة مستقلة. ومن هذا المنطلق، فإن تجريم حمل الراية الأمازيغية يرمي إلى تحقيق هدفين: عزل المعسكر الديمقراطي من امتداده الوطني ودفع المعسكر الشعبوي المحافظ إلى التجمع. فتصريحات جاب الله ومقري والصمت الذي لزمه العديد من الفاعلين السياسيين تبيّن وجود انتهازية راسخة أو ناشئة تحمل في طياتها الخوف من الديمقراطية والشفافية.
إن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية هو بلا شك الحزب السياسي الوحيد الذي أعلن عن خطة انتقالية واضحة المعالم بآليات دقيقة وتوقيت محدد. هذا الاقتراح هو بطبيعة الحالة مطروح للنقاش. كما قمنا بمساعي لتوسيع نطاق المطالبة بفترة انتقالية. هدفنا من ذلك هو وضع الأسس لبناء دولة قانون ديمقراطية، والدعوة إلى مناقشة الآليات وتمفصلاتها للتوصل إلى الإجماع المنشود.
إن الخيار المتمثل في اختزال الأزمة إلى انتخابات رئاسية جديدة هو أسوأ خيار. لأنه يعتبر القرين المباشر لتوظيف الجهاز الإداري والأمني والقضائي. وهي السياسة المنتهجة حالياً.
حول هذه القضايا التي تهم مستقبل البلد وكذلك مستقبل حزبنا، يجب على أعضاء المجلس الوطني الشروع في النقاش هنا وداخل هياكل الحزب. فمهما كان الوضع الجديد الذي سيفضي إليه الحراك الشعبي، فإن مسؤوليتنا هي أن نضع في صلب النقاش الخيار الديمقراطي الذي نناضل ونضحي في سبيله. يجب أن تكون جهودنا وطاقاتنا منصّبة قبل كل شيء حول توسيع قاعدتنا مع مراعاة ظهور تغيرات أكيدة على الخريطة السياسية بظهور كيانات سياسية أخرى وتلاشي مرتقب للعديد من الأجهزة.
أصدقائي الأعزاء،
هذه الملاحظات القليلة لا يمكن أن تشكل تقريراً مفصلاً عن الوضع السياسي في البلاد. هناك شيء مؤكد، هو أنه لن يُكتب النجاح لأي مبادرة لحل الأزمة طالما أن هناك سجناء رأي قابعون في السجون، وطالما أن حرية النشاط السياسي العمومي غير مضمونة، وطالما أن الحواجز المنصوبة للمظاهرات وحرية التنقل لم تُرفع.
لن أختم هذه الكلمة دون أن أحيّ التعبئة النموذجية لمناضلي التجمع. يتعين علينا الآن أن نبني جسور التواصل والتآزر مع جميع المواطنين الذين يكافحون من أجل جزائر حرة وديمقراطية.
من جهتي، سوف لن أدخر أي جهد لتفجير الطاقات المحررة. مسيرتنا واستقلاليتنا هما خير كنز لنا.
يسقط القمع والظلم!
تحيا الجزائر حرة وديمقراطية في شمال إفريقيا متصالحة مع تاريخها!
أشكركم.
محسن بلعباس
Auteur:
Cliquez ici pour lire l’article depuis sa source.