مع الأبراج البشرية – سجلات الوقوف في هذا القرن[1]يقدم كامل بن الشيخ عملاً منفصلاً، يصعب تصنيفه، يقع عند مفترق طرق النثر الشعري والتأمل والمقال الأخلاقي. الكتاب لا يتبع حبكة، ولا يروي قصة بالمعنى التقليدي، بل يتقدم في أجزاء، في لمسات متتالية، مثل العديد من نقاط الضوء المرتبطة ببعضها البعض. هذه الشظايا هي التي تشكل، شيئًا فشيئًا، رؤية للعالم – متماسكة، مسكونة، منعكسة بعمق.

ما يلفت الانتباه على الفور هو الرفض المذهل. كمال بن الشيخ مهتم بما يهرب – التحولات، الصمت، اللحظات المعلقة. فهو يراقب ما لم تعد العين السريعة تراه – شارع عند الغسق، أو لفتة غير ضارة، أو عاطفة بالكاد تصاغ – ويجعلها موضوع تفكير أوسع حول الحالة الإنسانية. الوقت بالنسبة له ليس خطيًا أبدًا، فهو يتوسع، ويعلق، وينطوي. وترافق الكتابة هذه الحركة، بشكل واسع ومنضبط، دون البحث عن تأثير ولكن مع الاهتمام المستمر بالدقة.

تم تنظيم المجموعة حول التوترات الأساسية: الظل والضوء، الفرح والألم، الجذور والحركة، الحرية والقيود. لكن عندما يعارض الآخرون هذه الشروط، فإن كامل بن الشيخ يطرحها في الحوار. إنه يوضح أن أحدهما لا يوجد بدون الآخر، وأن الوضوح يولد من التباين، وأن الهشاشة غالبًا ما تكون شكلاً من أشكال القوة. هذا النهج يعطي الكتاب لهجة معينة. ليس متشائمًا ولا معزيًّا، ولكنه واضح، وشبه سريري في بعض الأحيان، ويسكنه دائمًا المطالبة بالحقيقة.

ويأخذ هذا الوضوح بعدًا أكثر وضوحًا في النصوص المخصصة لأشكال الإكراه المعاصرة. دون الاستسلام مطلقًا للكتيب، يتساءل المؤلف عن المحظورات الجديدة، وآليات الرقابة الذاتية، والتحولات في الخطاب في الفضاء العام. ويشير إلى ظاهرة منتشرة: مجتمع لم يعد يمارس الرقابة بشكل مباشر، بل يهمش، ويحرم، ويجعل غير مسموع. هذه النقطة مذكورة ومناقشتها دون إفراط، ولكنها تشكل أحد أقوى محاور الكتاب.

حفيظة زيتوني

[1] الأبراج البشرية، سجلات الوقوف في القرن | كامل بن الشيخ (مؤلف) | محرر الأمير | 2026 | 148 صفحة

الملاحة المادة